قصص و روايات

عندي ٣٥ سنه وانسة

عيال سامح يوسف ومريم وسيف الأطفال دول كانوا دخلوا قلبي بجد، كنت بفكر فيهم كل ليلة يا ترى مين بيلبسهم مين بعملهم الأكل مين باخدهم في حضنه لما يخافوا بالليل، سامح كان بيسيبهم بالساعات عشان شغله وكان يعتمد عليا حتى قبل الجواز أراعي طلباتهم.

بعد أسبوعين من قطع الجوازة وفي يوم كنت راجع فيه من شغلي في الحضانة لقيت مريم الصغيرة عندها 6 سنين قاعدة على السلم جنب باب عمارتنا، هدومها مش نظيفة وعينيها حمرة من العياط.

أول ما شافتني قامت جرت عليا وترمت في حضني وهي بتصرخ وتعيش في بكاء هستيري: “م ماما سحر تعالي معايا والنبي بابي زعلان وطول الوقت بيزعق لنا ويوسف مش راضي يأكل وسيف عيان ومفيش حد معانا في البيت”.

قلبي اتخلع من مكانه شلتها في حضني ونزلت لمستواها وجبت لها عصير وتهديتها، وعرفت منها إن سامح جاب شغالة في البيت تتولى أمورهم بس الشغالة كانت بتعاملهم بقسوة وبتسيبهم لوحدهم وتخرج وسامح مش فاضي لهم وطول الوقت متعصب ويدور على حد يشيل عنه الهم ده، ومريم هربت وجت لي المشوار ده كله لوحدها عشان عارفة طريق بيتي.

المواجهة الثانية وعودة المؤقتة
خدت مريم في إيدي وركبت معاها تاكسي ورجعتها لبيت سامح، أول ما فتحت الباب لقيت الشقة مقلوبة رأسًا على عقب ريحة الأكل المحروق طالعة ويوسف قاعد في الزاوية بيعيط وسيف الصغير حرارته مرتفعة وجسمه بيلعلع نار.

سامح خرج من أوضته بقميص مبهدل ووشه متكدر، أول ما شافني مع مريم عينيه وسعت وبدل ما يشكرني إن رجعت بنته اللي كانت ضايعة اترسمت على وشّه ابتسامة غرور وسخرية جديدة، اتعدل في وقفته وقفل إيديه وقال ببرود يفرس: “أهلاً أهلاً أهو البوم يجيب بعضه أدي أنت جاية زاحفة على بطنك أهو يا سحر مش قادرة تستغني عن العيال ولا قادرة تعيشي من غير ما تصدقي إن في بيت هيدخلك، جاية تحنسي وتجيبي البت حجة عشان ترجعيلي”.

بصيت له بمنتهى القرف وبصيت للأطفال اللي كانوا ماسكين في طاقيتي ومستخبيين ورايا من أبوهم، قربت منه خطوتين بكل ثبات وقلت له صوت واطي بس يرعب: “أنا جيت هنا لأن مريم جاتلي دموعها مغرقة وشها، وجيت عشان سيف اللي بيموت من السخونية وأنت قاعد زيك زي القتيل مش حاسس بعيالك، أنا جيت عشان النخوة والرحمة اللي أنت ما تعرفش عنهم حاجة مش عشانك يا سامح، أنت بالذات لو آخر راجل في الكون أنا ما أشرفنيش حتى أمسح جزمتك”.

سامح اتصدم وتراجع خطوة لورا ووشه احمر من الكسفة: “أنت أنت بتكلميني كده في بيتي؟”.

رديت عليه بكل قوة وأنا بمسك إيد سيف وأقيس حرارته: “بيتك اللي ملوه القسوة والخراب، عيالك دول أمانة ربنا هيحاسبك عليها وأنت كل اللي فارق معاك كبرياءك الفارغ، العيال دول يلزموني وبحبهم بس أنت أنت ولا حاجة، ودلوقتي هطلب الدكتورة لسيف وهدفع كشفها من جيبي مش عشانك عشان ربنا، وبعدها مش هتشوف وشي تاني أبدًا ووريني بقى كبرياءك هيعمل إيه مع عيالك الأيتام دول لما تلاقيهم ضاعوا منك”.

صفحة جديدة وتطوير النفس
رجعت بيتنا وأنا فتحت الباب لقيت أمي وأبويا قاعدين مستنيين، أمي بصت لي بنظرة لوم وعتاب: “كنت فين يا سحر الناس شافوكي ونازلة رايحة ناحية بيت سامح، أهو القرايب مش سايبيننا في حالنا وبيقولوا سحر راحت تترجاه يرجعها”.

وقفت في نص الصالة ونفضت غبار الحزن عني وبصيت لأمي وأبويا وقلت بنبرة قاطعة هزت البيت: “اللي عاوز يقول يقول يا أمي أنا كرامتي مش للبيع، وأنا اتقيت ربنا في عيال أيتام ورجعت البت لأبوها المهمل وعالجت الواد الصغير وعطيت الدكتور حقه وخرجت بكرامتي مرفوعة، ومن النهاردة مش عاوزة أسمع كلمة واحدة عن جوازة سامح ولا عن قطار الجواز اللي فاتني ولا عن كلام الناس اللي لا بيقدم ولا بيأخر”.

أبويا بص لي طويلًا وشاف في عينيا نبرة قوة عمره ما شافها قبل كده تنهد وقال: “ربنا يهديكي يا سحر، بس العفش والجهاز اللي ملا الأوضة ده هنعمل فيه ايه الفلوس اللي تحوشت في شغلك طارت على حاجة مش هتنفعنا”.

رديت بثقة: “الجهاز مش هيخسر يا بابا، الأجهزة الكهربية صاغ سليم وموجودة والصيني اللي اشتريته بفلوسي مش هيترمى، أنا اشتغلت وشقيت وعملت قيمة لنفسي ومحدش له عندي مليم”.

من اليوم ده قررت أبدأ صفحة جديدة تماماً، نفضت عن نفسي غبار الحسرة وقررت أركز في شغلي في الحضانة الخاصة اللي بشتغل فيها.

الحضانة بالنسبة لي مش مجرد أكل عيش كانت المتنفس اللي بفرغ فيه حنيتي وأمومتي اللي حرمتني منها الأيام، بدأت أطور من نفسي أخدت كورس في تربية الأطفال والتعامل مع صعوبات التعلم، والمديرة لما شافت شطارتي وعزيمتي ترقتني وبقيت المسؤولة عن إدارة الفرع كله ومرتبي زاد ضعف.

كلام الناس في المنطقة لسه بيزن زي الذباب: “سحر كبرت خلاص”، “سحر رفضت الستر عشان العفش”، “مين هيطل في وشها بعد الـ35″، بس كل ما كانت كلمة تجيلي من تحت لتحت كنت ببتسم وابتلعهما بكل برود وأقول لنفسي الذهب ما بيصديش والكرامة ما تتقدرش بفلوس.

زيارة سامح تحت المطر
مرت شهرين شهرين وأنا مبغفلش عن الأطفال كنت بسأل عليهم من بعيد لبعيد عن طريق جارتهم الطيبة أم أحمد، أم أحمد كانت بتجيلي الحضانة وتقولي الأخبار: “يا سحر يا بنتي الشقة عندهم بقت زي المزبلة سامح كل يوم يجيب شغالة ويهربوا منه بسبب معاملته وبخله والعيال بهدلة، يوسف بقى يتأخر عن المدرسة ومريم أكلها قليل ونحفت وسيف الصغير طول الوقت بيصرخ ويقول عاوز ماما سحر”.

كان قلبي يتعصر دم بس كنت عارفة إن أي خطوة مني ناحيتهم سامح هيفسرها إنها ضعف مني وحيلة عشان أرجع له وأنا حنفيات الكرامة عندي مقفوفي بالضبة والمفتاح.

وفي يوم من أيام الشتا الشديدة كانت الدنيا تمطر مطر يغرق الشوارع والجو ثلج، كنت في الحضانة بخلص الأوراق والأرقام بعد ما الأطفال مشوا وسمعت خبط قسوي ومتواصل على باب الحضانة الخارجي.

قمت مخضوضة فتحت الباب اتفاجئت بسامح، بس ما كانش سامح بتاع زمان الراجل اللي كان بيجي يتشرط ويحط رجل على رجل بيقلب الشاي باستعلاء ويضحك ببرود، كان واقف قدامي مبهدل هدومه مبلولة من المطر وشه أصفر وشاحب وعينيه مكسورة ومطفية وعلى إيديه شايل سيف الصغير الملفوف في بطانية ووراه يوسف ومريم ينفضوا من البرد والدموع مغرقة وشوشهم.

وقفت عند الباب وبصيت له برود وقلت: “خير يا أستاذ سامح إيه اللي جابك هنا في الوقت ده وفي الجو ده الحضانة قفلت خلاص”.

سامح بص لي بنظرة عمري ما شفتها فيه نظرة انكسار ورجاء شفايفه كانت بترتعش وهو بيحاول يتكلم والغضب والغرور اللي كانوا مالين كيانه طاروا في الهواء.

قال بنبرة متقطعة ومبحوحة: “سحر الحقيني يا سحر سيف حرارته ارتفعت تاني ورجع يقطع النفس والشغالة سابت البيت ومشت من الصبح وأنا مش عارف أتصرف والعيال بقالهم يومين ما ذاقوش اللقمة العدلة، أنا أسف يا سحر أسف”.

الاعتراف بالندم وطلب العودة
الكلمة طلعت منه زي الجمرة المكتومة، أسف الراجل اللي قال لي أنت كنت طايلة جديد ولا قديم وأحمدي ربنا إني بصيت لك ولميتك واقف النهاردة قدامي في الشارع تحت المطر بيترجاني وبيعترف بقلة حيلته.

بصيت للأطفال يوسف جرى عليا ومسك في جيب بالتيي وهو بيعيط: “ماما سحر تعالي معانا البيت وحش أوي من غيرك بابي طول الوقت يعيط ويقول أنا بوظت كل حاجة”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى