عندي ٣٥ سنه وانسة

شلت سيف من إيده فورًا ودخلتهم جوة الحضانة الدافية، جبت فوط ناشفة وغطيت الأطفال وشغلت الدفاية وعملت لسيف كمادات دافية واديته نقط الحرارة اللي كانت عندي في الصيدلية الصغيرة بتاعة الحضانة.
وسامح كان واقف في الزاوية زي التلميذ الخايب اللي مستني العقاب مش قادر يحط عينيه في عينيا، بعد ما سيف هدي وحرارته نزلت ونام في حضني ومريم ويوسف أكلوا الساندوتشات اللي كانت معايا وتشربوا لبن دافي وناموا على الكنبة.
لفيت لسامح قعدت على الكرسي وبصيت له بكل قوة وشموخ وقلت له: “أدي العيال هديوا وناموا يا سامح تقدر تاخدهم وتروح والأزمة عدت”.
سامح قرب مني ووقع على الكرسي اللي قدامي وحط وشه بين إيديه وبدأ يعيط بدموع حقيقية دموع راجل عرف قيمة النعمة بعد ما ضاعت من إيده، رفع وشه وقال بصوت مكسور: “أنا كنت غبي يا سحر، كنت فاكر إن الفلوس والعفش والرجولة بالصوت العالي والتحكم، كنت فاكر إنك عشان وصلتي لـ٣٥ سنة تبقي مكسورة وجاية لي حافية، ما عرفتش إنك جوهرة وأصيلة وبنت بنوت كرامتك بالدنيا، الشقة من غيرك خرابة والعيال بيموتوا كل يوم في بعدك وأنا أنا اكتشفت إني ولا حاجة من غيرك يا سحر، أنا بطلب إيدك تاني ومش شرط أجهزة أنا هبيع عفشي القديم كله وهجيب لك جديد من الإبرة للصاروخ وهكتب الشقة باسمك لو عاوزة بس ارجعي لي وللأطفال دول”.
رفض التسرع واختبار التغير
ساد الصمت في الاوضة صمت ثقيل كان صوت المطر برة هو الوحيد اللي بيقطعه، بصيت لسامح طويلًا شفت الراجل اللي أهانني واستهان بيا وشفته وهو مكسور تحت رجلي بيترجى المنسية.
حسيت بانتصار كرامتي اللي اتداس عليها وعرفت إن الحق رجع لي والاعتبار اترد لي قدام نفسي وقدام الدنيا كلها، بس السؤال اللي كان بيلف في دماغي وقتها هل الأسف والانكسار ده كفاية؟ هل الراجل اللي طبعة القسوة والغرور بيتغير بجد في لحظة ضعف ولا دي مجرد زوبعة عشان محتاج خدامة لعياله ولما الشدة تزول يرجع لطبعه القديم؟ والعيال دول العيال اللي بقوا قطعة من قلبي هل هضحك بعمري وكرامتي تاني عشان خاطرهم ولا خلاص الصفحة دي انطوت بلا رجعة؟
وقفت من مكاني وبصيت له بنظرة حادة وباردة وقلت له الكلمة اللي هزت كيانه: “الكلام ده متأخر أوي يا سامح، متأخر بعد ما جرحتني في كرامتي وشرفي وبعد ما افتكرت إن السن عيب والستر تفضل منك، مش سحر اللي ترجع عشان كلمة أسف قيلت في لحظة زنقة”.
سامح اتنفض من مكانه وكأنه انضرب بسوط وبص لي بذهول ورجاء: “يا سحر عشان خاطر الأطفال الأطفال دول ملهمش ذنب أنت شفت مريم كانت عاملا إزاي وسيف اللي بين يديكي، أنا مستعد أعمل أي حاجة تطلبيها أكتب لك مؤخر أغير العفش أعتذر لأبوكي وأمك قدام العيلة كلها ويمسحوا بيا الأرض بس ما تتخليش عنا”.
بصيت للأطفال وهم نايمين في دفء الحضانة ودمعة سخنة نزلت من عيني رغماً عني، الأطفال فعلاً ملهمش ذنب بس أنا كمان ماليش ذنب أعيش طول عمري خايفة إن القسوة والغرور يرجعوا يطفوا على الوش تاني أول ما الشدة تزول والمريض يشفى.
قلت له بصوت هادي بس أثقل من الجبال: “العيال دول في عينيا يا سامح وسيف مش هيمشي من هنا غير لما حرارته تنزل تماماً ويبقى زي الفل، لكن أنا وأنت الموضوع ده مقفول، أنت جيتلي وأنا شارياك وبحب عيالك فعملت فيها سي السيد واستقويت عليا بقلة حيلتي وسني ودلوقتي جيتلي وأنت مكسور ومحتاج عاوزني أرجع عشان تحل مشكلتك مش عشان عرفت قيمتي بجد”.
الاعتذار الرسمي أمام الأهل
لما الشمس طلعت والدنيا نورت سيف فتح عينيه ورجعت له ضحكته الصغيرة، سامح قام وقف وشكل وشّه كان متغير التعب والانكسار باينين عليه بس كان فيه حاجة جديدة في عينيه تقبل للمسؤولية ونظرة احترام حقيقية ليا.
قال بصوت خافت: “أنا متشكر يا سحر متشكر إنك أنقذتي ابني ومنعتي البيت إنه ينهار أكتر من كده، أنا هاخد العيال وأمشي ومش هضغط عليكِ تاني، بس وحياة العيال دول عندك فكري تاني أنا مش طالب منك سامحيني النهاردة أنا طالب منك تديني فرصة أثبت لك إن سامح الجديد غير الراجل اللي أهانك”.
خد الأطفال ومشي ويوسف ومريم كانوا بيبصوا لي من ورا الدفة وينادوا عليا، رجعت بيتنا وأنا جسمي مهدود من السهر بس عقلي شغال مش بيبطل تفكير.
حكيت لأبويا وأمي كل اللي حصل بالحرف، أبويا قعد يسمعني وهو ساكت وبعد ما خلصت حط إيده على ركبتي وقال بصوت حنون: “تربيتي يا سحر عفيفة وكريمة ومبتبعيش كرامتك بقرشين ولا بكلمة حلوة، بس يا بنتي الراجل لما ينكسر قدام مراته أو خطيبته بالشكل ده ويقر بغلطه قدام أطفال يبنى عليه، الراجل لما يعرف إن الله حق ويجي لحد عندك يستسمحك يبقى شاف قيمتك بجد”.
الأيام اللي بعد كده كانت مفاجأة متواصلة سامح بدأ يغير كل حاجة فعلياً مش مجرد كلام، أول حاجة عملها جه لحد بيتنا ومعاه أخته الكبيرة وراجل من كبارات العيلة قعدوا مع أبويا وسامح وقف قدام أبويا وأمي وقال بصوت مكسور قدام الكل: “أنا جاي أعتذر لكم عن كل كلمة طلعت مني أنا غلطت في حق سحر وغلطت في حقكم وافتكرت إن القرش والعفش بيبنوا بيوت ونسيت إن أصل البنت وكرامتها هما الساس، أنا قدامكم أهو مستعد لأي شرط تطلبوه وسحر لو عاوزة تكتب الشقة باسمها أو نشتري عفش جديد بالكامل على حسابي من غير ما تحط مليم واحد أنا موافق وممنون”.
الشقة الجديدة وبداية جديدة
أبويا بص لي عشان يشوف رأيي لكن أنا فضلت ساكتة كنت عاوزة أشوف الأفعال مش مجرد الاعتذارات الفخمة قدام الناس، مرت أسابيع وسامح بدأ يشتغل على الشقة جاب عمال وهد العفش القديم كله ورمى كل حاجة تذكر بالشقة القديمة.
بدأ يدهن الشقة من جديد بألوان هادية وطلب من أخته تاخدني أنا ومريم ويوسف نختار العفش والألوان اللي تعجبني على ذوقي الكامل ومن غير ما يتدخل في جنيه واحد أو يتشرط، وفي نفس الوقت كان بيجي الحضانة كل يوم بعد الشغل يقف برة يستنى العيال ويسلم عليا من بعيد لبعيد بمنتهى الأدب والاحترام كأنه غريب بيطلب الرضا.
الأطفال بقوا ييجوا الحضانة نظاف فرحانين يوسف درجاته في المدرسة اتحسنت أوي ومريم بقت تضحك من قلبها، وفي يوم سامح جالي الحضانة لوحده في ساعة البريك وقف قدامي وهو ماسك علبة صغيرة فيها خاتم بسيط ورقيق جداً.
قال لي بصوت خالية تماماً من الغرور القديم: “سحر الشقة جهزت بالعفش الجديد اللي اخترتيه والأجهزة بتاعتك اللي اشتريتيها بفلوسك هي اللي هتتنقل وهتكون معززة مكرمة في بيتك، وأنا اتعلمت الدرس اللي مش هنساه طول عمري أنت مش بس سترتي عيالي أنت أحييت نفسي من جديد وعلمتيني معنى الرجولة الحقيقية، هل تقبلي تبدأي معايا صفحة جديدة ونكتب الكتاب بعد أسبوع؟”.
بصيت في عينيه شفت الصدق والانكسار والاحترام اللي حلمت بيه كل ست، بصيت لبرة الشارع وشفت يوسف ومريم مستنيين برة ومسكين في بعض، تنهدت من أعماق قلبي وقلت له بصوت هادي وواثق: “أنا موافقة يا سامح موافقة نبدأ صفحة جديدة بس خذ بالك الصفحة دي مكتوبة بشرط واحد ملوش تاني الكرامة والاهتمام قبل الأكل والشرب والعفش، يوم ما تفكر ترجع لطباعك القديمة مش هتلاقيني قدامك ولا حتى هتشوف طيفي”.
الفرح وكتب الكتاب
سامح وشه أشرق وعينيه أدمعت من الفرحة، خرجنا للعيال برة أول ما يوسف ومريم شافوني ببتسم وسامح ماشي جنبي وهو طاير من الفرحة جرو عليا وحضنوني بحرارة هزت الشارع كله.
رجعت بيتنا وبشرت أبويا وأمي الشقة عندنا اتملت زغاريد بعد طول صمت، وأبويا حضنني وقال: “يا بنتي أنت فرضتي احترامك بالأصول والعقل والراجل اللي يجيلك مكسور ويتغير عشانك هو اللي يتأمن عليه”.
الأجهزة الكهربائية اللي كنت اشتريتها بدم قلبي وفلوس شغلي اتنقلت لشقة سامح بس المرة دي اتنقلت بكرامة ومعززة، والعفش الجديد اللي اخترته على ذوقي وصل الشقة بقت شقة ثانية خالص اتملت دفا وألوان مبهجة تطرد منها طيف الحزن والماضي.
يوم كتب الكتاب كانت المنطقة كلها بتتكلم بس المرة دي بصيغة ثانية خالص، القرايب والجيران اللي كانوا زمان بيقولوا سحر كبرت وعانس وارتضت بأي حاجة بقوا يقولوا شوفوا سحر عملت إيه في الراجل خلت العزة والكرامة تاج على رأسها والراجل جاب لها الشقة جديدة وعاملها كأنها عروسة عندها عشرين سنة.








