منوعات

بنتك لازم تتعلم تتحكم في نفسها

بعد ساعتين، كنا واقفين في قسم الشرطة. نوال وصلت مع محاميها، داخلة بثقة وعنجهية فاكرة إن الموضوع “خلاف عائلي” وهينتهي بكلمتين كالعادة. بس لما وقفت قدام وكيل النيابة وشافت التسجيل الصوتي بيتشغل، وسمعت شهادة ابنها وبنتها، وشافت تقرير الطب الشرعي المبدئي لكدمات ملك وللمادة السامة اللي في العصير، ملامح وشها انهارت تماماً. لأول مرة أشوف حماتي بتترعش ومش عارفة تدافع عن نفسها أو تلاقي مبرر. رعبها اتحول لحقيقة لما صدر أمر بطلبها وتحويل قضية تعريض حياة طفل للخطر والإيذاء البدني والنفسي المتعمد للنيابة العامة.

وأنا ماسكة إيد أحمد وإيد ملك اللي بدأت تفوق وتبتسم لي، عرفت إننا مش بس حمينا بنتنا… إحنا قطعنا سلسلة الرعب والمرض اللي كانت ممتدة في العيلة دي للأبد.
صدر قرار النيابة كالصاعقة: حبس المتهمة أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد. نوال بصت لأحمد بذهول، وعينيها اللي كانت دايماً مليانة استعلاء وتحدي اتملت لأول مرة بخوف حقيقي. قربت منه والعساكر بيمسكوها، وقالت بصوت مرتعش ومختنق: “يا أحمد… هتهون عليك أمك؟ هتسيبني أتحبس عشان خاطر العيل ده؟ أنا اللي ربيتك وكبرتك!”

أحمد ما رمشش، بص في عينيها بثبات رهيب، هدوءه كان يرعب أكتر من أي زعيق. قالها ونبرته مفيهاش أي تردد: “أنتِ مربيتيناش يا أمي… أنتِ كنتِ بتمارسي مرضك فينا. وملك مش مجرد عيل، دي بنتي اللي كنتِ هتقتليها زي ما دمرتِ حياة سمر.”
العساكر أخدوها وهي بتبكي وتصرخ، وصوت خطواتها وهي بتبتعد في الممر كان إعلان النهاية لكابوس عاشته العيلة دي لسنين طويلة.
الشهور اللي بعد كدة ماكانتش سهلة خالص. ملك كانت بتصحى في نص الليل مرعوبة، تصرخ وتشد في هدومها فاكرة إن الكيس البلاستيك لسه لازق في جلدها. كنت باخدها في حضني وأطمنها، وأحمد يقعد جنبها يمسك إيديها ويقرا لها قرآن لحد ما تنام. جلسات العلاج النفسي أخدت وقت، والعلامات اللي على ضهرها اختفت بالتدريج، بس الخوف هو اللي كان محتاج وقت أطول عشان يخرج من روحها.
سمر كمان، الحبس بتاع أمها كان ليها زي طوق نجاة. لأول مرة تحس إنها مش مجبرة تعيش دور الضحية الساكتة، بدأت تعالج نفسها وبقت تقضي معظم وقتها معانا، تجيب لملك الحلويات والألعاب، وتشوف فيها الطفولة اللي اتحرمت منها.
بعد سنة، كنا قاعدين في النادي في يوم مشمس. ملك كانت بتجري مع أصحابها، لابسة فستان أبيض وبتاكل آيس كريم شيكولاتة، والآيس كريم سايح على وشها وإيديها وهي بتضحك بصوت عالي ومنطلقة من غير أي خوف.

مقالات ذات صلة

أحمد بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه سلام حقيقي، ابتسم ومسك إيدي وقال بصوت مليان امتنان: “شكراً يا مريم… إنك وقفتِ ودافعِ عن بنتنا وماسكتيش زي ما الكل سكت.”
بصيت لملك وهي جاية بتجري علينا، اترمت في حضننا وهي بتضحك، وفي اللحظة دي اتأكدت إن أكبر انتصار حققناه مش بس إن القانون جاب حقنا… الانتصار الحقيقي هو إننا كسرنا الدائرة المسمومة دي، وإن بنتي هتتربى في بيت عارف إن الحب مش بشروط، وإن جسمها ملكها هي بس، محمي بأب وأم مش هيسمحوا لأي حد في الدنيا يؤذيها تاني.
مرت كذا شهر، وجت المناسبة اللي كانت بتمثل الاختبار الحقيقي لينا كلنا: عيد ميلاد ملك السابع.
البيت كان متزين بالبلونات الملونة، وأغاني الأطفال شغالّة، وملك كانت طايرة من الفرحة وهي لابسة فستانها المنفوش اللي اختارته بنفسها. الضيوف بدؤوا يوصلوا، وقرايبنا اتجمعوا حوالين التربيزة عشان نقطع التورتة.
وفي وسط الهيصة والضحك، قربت واحدة من قرايبنا الكبار، وقفت جنب ملك وهي بتاخد ثاني حتة تورتة، وقالت بنبرة فيها نفس النغمة المسمومة اللي كانت بتستخدمها نوال:
— “مش كفاية كيكة يا ملك؟ البنوتة الشاطرة لازم تخلي بالها من جسمها من دلوقتي عشان بكرة لما تكبر تبقى خفيفة وتلاقي عريس!”
البيت لحظتها سكت كأن الصوت اتقطع فجأة. أحمد اتجمد مكانه، وأنا حسيت بقلبي هيدق بسرعة ونظري اتجه فوراً لملك عشان أشوف رد فعلها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في ملك نفسها.
ما عيطتش، وما وراش وشها في الأرض، وما اتخضتش زي زمان.
بصت للست بمنتهى الثقة، وابتسمت ابتسامة صافية وقالت بصوت واثق ومسموع للكل:
— “لا يا طنط، أنا باكل عشان مبسوطة وبحتفل بعيد ميلادي، وبابا وماما علموني إن جسمي جميل وزي الفل طالما أنا صحتي كويسة، ومحدش ليه دعوة بأكلي.”
الست اتلخبطت ووشها احمر وما عرفتش ترد، وأحمد قرب من ملك وحضنها قدام الكل، وباس رأسها وقال وهو باصص للست بنبرة حاسمة:
— “بنتي كلامها صح… عقلها وصحتها ونفسيتها أهم ألف مرة من أي كلام تاني.”
في نفس الليلة، بعد ما الضيوف مشوا وملك دخلت تنام، دخلت سمر علينا ومعاها الورقة الرسمية من المحامي. كانت عينيها بتلمع بدموع ارتياح.
— “الحكم النهائي صدر النهاردة يا أحمد… خمس سنين مشدد.”

أحمد غمض عينيه وأخد نفس عميق، كأنه كان شايل جبل على صدره وأخيراً انزاح. سمر قعدت جنبنا، ومسكت إيدي وقالت: “أول مرة أحس إن الكابوس انتهى بجد، وإن روحي أخيرًا أتردت لي.”
دخلت أوضة ملك، لقيتها نايمة وممددة بجسمها بحرية، مفيش كياس ولا حزام ولا خوف يكتفها. بستها من جبهتها وغطيتها بالراحة، وفي اللحظة دي أدركت إن الأهم من العقاب القانوني اللي نوال أخدته، هو السور العالي اللي بنيناه حولين بنتنا… سور من الحب والوعي خلى ملك طفلة قوية عارفة قيمتها، وشايفة إن جسمها وروحها ملكها هي بس.
بعد صدور الحكم بكام أسبوع، افتكرنا إن الصفحة دي اتطوت للأبد، لكن الضغوط العائلية بدأت تظهر في أبشع صورها.
في يوم جمعة، رن جرس الباب. فتحت، لقيت عم أحمد الكبيرة “توفيق” ومعاه اثنين من كبار العيلة، دخلوا بوجوه جهمة ونظرات مليانة عتاب وتأنيب. قعدوا في الصالة، وتوفيق بادر بالكلام بنبرة حادة ومستفزة:

— “اللي عملتوه ده عار على العيلة كلها! نوال ست كبيرة ومريضة، تسيبوها تترسخ في خمس سنين؟ الناس أكلت وشنا في المنطقة والشرقية، وتقولوا ابنها هو اللي!”
أحمد خرج من أوضته، وشه كان صلب وثابت. عم توفيق طلع من جيبه ورقة “تنازل رسمية” وحطها على الترابيزة بكل سلطوية وقال:
— “الورقة دي هتمضي عليها يا أحمد أنت وسمر.. نلغي الدعوى المدنية ونقدم طلب تنازل وعفو، ونلم الفضيحة دي بدل ما نفضل لسان على كل لسان.”
أحمد بص للورقة، وبعدين بص لعمه وقال بصوت هادي بس يرعب:

— “أنت عارف هي كانت بتعمل إيه في ملك يا عمي؟ عارف إنها كانت بتسقيها في العصير عشان خايفة البنت تتخن؟ عارف إنها دمرت صحة سمر قبلها وحرمتها تعيش حياتها؟”
توفيق رد ببرود واستخفاف:
— “كل الأمهات بتشد على عيالها! كانت خايفة على شكل البنت ومستقبلها! إحنا اتربينا على الضرب والشدة وما جراناش حاجة، بلاش دلع وعقد نفسية بتعت اليومين دول.. دي أمك ولها عليك حق الطاعة مهما عملت!”في اللحظة دي، سمر قربت من الصالة. مسكت ورقة التنازل من على الترابيزة، وبصت لعمها بعينين مفيهاش نقطة خوف واحدة، وبكل قوة قطعت الورقة نصين ورمتها قدامهم.
وقالت بصوت مسموع وواثق هز الأوضة:
— “السكوت عن الجريمة هو اللي عار يا عمي.. مش حماية أطفال ملهمش ذنب. الأمومة مش رخصة للتعذيب، ومفيش تنازل، ولا في حد منكم كان واقف معايا وأنا بكب الدم في المستشفيات وأنا عندي ١٣ سنة بسبب أفكارها المريضة.”
توفيق قام وقف وهو بيزعق وبيهدد بقطع صلة الرحم والمقاطعة، بس أحمد مشي لحد الباب وفتحه على آخره، وقال بنبرة حاسمة مفيهاش رجعة:
— “اللي يدافع عن مؤذي ويشوف تعذيب طفلة مجرد شقاوة ودلع.. مالوش مكان في بيتي. اتفضلوا من غير مطرود.”
خرجوا وهم بيمطموا بالشتائم والتهديدات، وأحمد قفل الباب وراهم، ورمى المفتاح على الترابيزة كأنه بيقفل على الماضي كله بالضبة والمفتاح.
مرت السنين، وسمر قررت تحول وجعها لشيء ينقذ غيرها، وأسست مؤسسة صغيرة بدعم مننا لمساعدة الأطفال والفتيات اللي بيتعرضوا لإيذاء أسري وضغوط على أجسادهم، وبقت تتكلم في المؤتمرات والندوات عن أهمية حماية الأطفال والتوعية النفسية.
وفي يوم، وأنا واقفة في أوضة ملك، لقيتها واقفة قدام المراية بتجرب فستان المدرسة الجديد، وبتتفرج على نفسها بابتسامة واسعة وراضية. قربت منها وحضنتها من ضهرها، بصتلي في المراية وضحكت وقالت:
— “ماما.. أنا حاسة إني قوية وشاطرة أوي.”
الكلمة دي بالذات كانت الجائزة الحقيقية لكل اللحظات الصعبة اللي عشناها. أدركت وقتها إن الحرية مش بس إن نوال تاخد عقابها في السجن، الحرية الحقيقية هي إننا حررنا عقولنا وأولادنا من الموروث  وبنينا عيلة جديدة قايمة على الأمان والحب.
عدت ست سنين كاملة، وجت اللحظة اللي كانت أكبر رد اعتبار لسمر ولعيلتنا كلها.

ملك بقى عندها ١٣ سنة… نفس السن اللي كانت سمر فيه محبوسة ومريضة بتواجه الموت بسبب هوس نوال. بس ملك النهاردة كانت واقفة على مسرح كبير في القاعة الرئيسية لمؤتمر حماية الأطفال والتوعية النفسية، اللي نظمته المؤسسة اللي أسستها سمر.
القاعة كانت مليانة بالناس، دكاترة، وأهالي، وصحفيين. وأنا وأحمد قاعدين في الصف الأول، ماسكين إيدين بعض، وعينينا مش فارقة المسرح.
ملك مسكت المايك، وبصت للجمهور بثبات وشخصية أذهلت الكل، وقالت بصوت هادي وعميق:

— “زمان، لما كان عندي ست سنين، كان فيه حد فاكر إن من حقه يوجعني ويحكم على جسمي عشان يعلمني الانضباط. كنت فاكرة إن الخوف والوجع هما الطبيعي. بس بابا وماما علموني إن جسمي ده ملكي أنا بس، حمايته حقي، وإن الحب الحقيقي مش شرطه الخضوع ولا الألم… الحب هو الأمان.”
التصفيق زلزل القاعة، وسمر كانت واقفة في الكواليس بتبكي بدموع فرحة وتأثر، كأن ملك بكلامها كانت بتطبطب على سمر الطفلة اللي ملقتش حد يدافع عنها زمان.
في نفس اليوم ده بالليل، المحامي كلم أحمد في التليفون، وبلغه إن نوال خرجت من بعد ما قضت عقوبتها كاملة، وإنها عايشة لوحدها وحاولت تطلب إنها تشوف أحمد أو تكلّم ملك.

أحمد سكت لحظات، أخد نفس عميق وبصلي، وبعدين بص لملك وهي بتضحك مع أصحابها في الصالة، ورد بنبرة هادية وبأعلى درجات النضج والصرامة:
— “قولها إننا مش شايلين منها كره ولا ، بس الأبواب مقفولة للأبد. الأمان اللي وصلنا له اتدفع فيه ثمن غالي من صحة أختي ونفسية بنتي، ومفيش أي مساحة نرجع فيها خطوة واحدة لورا.”
أحمد قفل الخط، وقرب من الشباك، وبص للسما. البيت اللي كان زمان محاصر بالخوف والسكوت عن الحق، بقى مليان دفاء وحرية.
قربت منه وحطيت إيدي على كتفه، بصلي وابتسم ابتسامة صافية، ولأول مرة حسيت إن النفس اللي بيخرجه من صدره خالٍ تمامًا من أي ثقل أو ذنب. الكابوس انتهى بجد، والسلسلة وبقت قصتنا حماية، والدرس اللي مش هيتمحى أبدًا: إن بيوتنا أمان أولادنا، وسكوتنا عن أي أذى هو أول طريق الضياع.
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى