القلادة

سكت الممر كله.
حتى صوت المياه اللي جاي من الحمام حسيت إنه اختفى.
— ليه؟
حاتم أخد نفس طويل.
— من شهر تقريبًا، كنت بمراجع ورق قديم يخص قطعة أرض شركتنا اشترتها علشان مشروع جديد.
— وإيه علاقة ده بأمي؟
— الأرض كان عليها مبنى مهجور.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— كمل.
— وإحنا بنجهز أوراق الترميم، المهندس لقى صندوق معدني مدفون تحت أرضية أوضة قديمة.
— صندوق إيه؟
حاتم بصلي مباشرة.
— جواه ملفات.
— ملفات بتاعة مين؟
— أبوكي.
اتجمدت.
أبويا غاب عن حياتي من 12 سنة.
طول عمري كنت فاكرة إنه أكتر واحد اتعذب بعد اختفاء أمي.
فاكرة لياليه وهو قاعد قدام صورتها.
فاكرة إنه كل سنة في ذكرى اختفائها كان بيسأل لو ظهر أي خبر جديد.
قلت بصوت ضعيف:
— بابا؟
حاتم كمل:
— كان فيه صور… إيصالات تحويلات… وتقارير طبية.
— تقارير إيه؟
— باسم والدتك.
حطيت إيدي على الحيطة علشان أسند نفسي.
— مش فاهمة.
— وأنا كمان مكنتش فاهم. لحد ما لقيت ورقة عليها صورة قديمة لوالدتك ووصف لعلامة مميزة في جسمها.
بصيت ناحية باب الحمام.
الهلال.
— العلامة؟
— أيوه.
حاتم قرب مني.
— وتحت الصورة كان مكتوب اسم مكان.
— إيه المكان؟
— مركز علاجي خاص كان موجود على أطراف المدينة واتقفل من 18 سنة.
بدأت أحس بالبرد.
— أمي اختفت من عشرين سنة.
— عارف.
— يعني بعد اختفائها بسنتين كانت…
مقدرتش أكمل.
حاتم قال:
— كانت عايشة.
حطيت إيدي على بوقي.
عشرين سنة وأنا فاكرة إن أمي راحت للأبد.
لكن أبويا…
كان ممكن يكون عارف إنها عايشة.
قلت:
— وإنت وصلت لها إزاي؟
— دورت في سجلات المركز. أغلبها اختفى بعد ما اتقفل، لكن قدرت أوصل لممرضة قديمة كانت شغالة هناك.
— قالتلك إيه؟
حاتم بصلي بنظرة خلتني أخاف من الإجابة.
— قالت إن ست بالمواصفات دي دخلت المركز باسم مستعار بعد اختفائها بحوالي أسبوع.
— مين دخلها؟
— راجل قال إنه جوزها.
ركبي ضعفت.
— أبويا؟
— الوصف كان مطابق له.
رجعت لورا.
— لأ.
— سلمى…
— لأ! أبويا فضل سنين يقولي إن أمي خرجت ومارجعتش!
حاتم سكت.
وأنا بدأت أفتكر.
كنت عندي 10 سنين.
ليلة اختفاء أمي.
كنت نايمة، وصحيت على صوت خناق.
صوت أمي.
وصوت أبويا.
كنت نسيت التفاصيل…
أو يمكن أقنعت نفسي إني نسيتها.
لكن دلوقتي…
صوتها رجع جوا دماغي.
**— البنت لازم تعرف الحقيقة!**
وبعدين صوت أبويا:
**— لو فتحتي الموضوع ده، هتندمي.**
نفسي اتقطع.
حاتم لاحظ تغير وشي.
— افتكرتي حاجة؟
بصيتله.
— آخر ليلة… كانوا بيتكلموا بعصبية.
وفجأة…
باب الحمام اتفتح.
أمي كانت واقفة وراه، لابسة روب أبيض.
وشها شاحب جدًا.
— أنا فاكرة الصوت.
جرينا عليها.
— صوت مين؟
بصتلي.
لكنها ما ردتش عليا.
كانت بتبص لحاتم.
— الراجل اللي خدني للمكان ده…
قربت منها.
— كان أبويا؟
هزت راسها ببطء.
وبعدين قالت جملة غيّرت كل الصورة اللي كنت عايشة بيها طول عمري:
— جوزي مكنش لوحده.
سألتها:
— كان معاه مين؟
حطت إيدها على رقبتها.
وبدأت تدور كأنها بتدور على حاجة.
— كان عندي سلسلة.
— سلسلة إيه؟
— فيها مفتاح صغير.
حاتم اتجمد.
لاحظت.
لفيتله فورًا.
— إنت عارف السلسلة؟
ما ردش.
— حاتم!
مد إيده جوه جيب الجاكيت.
وطلع كيس صغير.
جواه…
سلسلة فضة قديمة.
ومتعلق فيها مفتاح صغير أسود.
أمي أول ما شافته شهقت.
— ده هو!
خدت الكيس من إيده.
— كان مع الملفات؟
— أيوه.
— والمفتاح ده بيفتح إيه؟
حاتم قال:
— معرفش.
لكن أمي بدأت تبكي.
— أنا عارفة.
قربت منها.
— إيه؟
مسكت وشي بين إيديها لأول مرة.
وبصت في عيني.
— صندوق كنت مخبياه قبل ما ياخدوني.
— فيه إيه؟
مسكت وشي أكتر.
— دليل يثبت إن الراجل اللي رباكي طول السنين دي…
وسكتت.
— ماله بابا؟
دموعها نزلت.
— مكانش أبوكي الحقيقي.
حسيت إن قلبي وقف.
لكن قبل ما أنطق…
حاتم قال بهدوء:
— وعلشان كده يا سلمى… لازم نلاقي الصندوق قبل أي حد تاني.
بصيتله.
— أي حد مين؟ أبويا مش موجود.
حاتم هز راسه.
— المشكلة مش في أبوكي.
وسكت لحظة.
— المشكلة في الشخص التاني اللي ساعده يخفي والدتك.
— مين؟
حاتم بص ناحية باب البيت.
وفي نفس اللحظة…
جرس الباب رن.
مرة.
مرتين.
وبعدين سمعنا الخدامة بتفتح.
وصوت راجل كبير جاي من الصالة:
— مساء الخير… حاتم موجود؟
جسمي كله اتخشب.
كنت أعرف الصوت ده كويس.
أمي أول ما سمعته…
شهقت ورجعت لورا وهي بتصرخ:
— هو!
مسكتها بسرعة.
— مين؟!
أشارت بإصبع مرتعش ناحية الصالة.
— الراجل التاني!
بصيت لحاتم.
وشه اتغير.
لأن الراجل اللي كان واقف في بيتنا…
مكانش غريب.
كان **عمي فؤاد**.
أخو أبويا.
والراجل اللي بعد اختفاء أمي…
هو نفسه اللي رباني مع أبويا، وكان بيقولي طول عمري:
**— اعتبريني أبوكي التاني يا بنتي.**
**نهاية الفصل الثاني**
فضلت ماسكة أمي من دراعها وهي .
من الصالة، صوت عمي فؤاد اتكرر:
— حاتم؟ إنت فين يا ابني؟
أمي شدت على إيدي بقوة.
— متخليهوش يشوفني.
بصيت لها.
— ليه؟ حصل بينكم إيه؟
هزت راسها بسرعة، وأنفاسها بقت متقطعة.
— هو اللي كان معاه… هو اللي قفل الباب.
حاتم قرب مننا وقال بصوت واطي:
— سلمى، خدي والدتك أوضة النوم واقفلي الباب.
لكن المرة دي أنا رفضت.
— لأ.
— سلمى…
— عشرين سنة وأنا معرفش الحقيقة. مش هستخبى تاني.
بصيت لأمي.
— تقدري تواجهيه؟
عينيها اتمَلوا دموع.
لثواني افتكرت إنها هترفض.
لكنها مسحت دموعها وقالت:
— لو هربت منه النهارده… هفضل بهرب طول عمري.
خرجنا للصالة.
عمي فؤاد كان واقف قدام حاتم.
راجل قرب على السبعين، شعره أبيض، وبدلته كالعادة شيك جدًا.
الراجل اللي كان بيجيبلي هدية في كل عيد ميلاد.
اللي حضر فرحي.
اللي وقف جنبي يوم فقدت أبويا.
أول ما شافني ابتسم.
— سلمى! كويس إنك هنا، أنا كنت…
وسكت.
عينيه عدت من عليا…
ووقعت على الست اللي واقفة ورايا.
الكيس اللي كان في إيده وقع على الأرض.
وشه فقد لونه.
أمي همست:
— فاكرني يا فؤاد؟
الصمت كان مرعب.
فؤاد فتح بوقه، لكن مفيش صوت خرج.
قربت منه.
— عمي… تعرف الست دي؟
رد بسرعة:
— لأ.
أمي ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
— لسه بتكدب.
فؤاد رجع خطوة.
— مين دي يا حاتم؟
حاتم رد:
— إنت عارف كويس مين دي.
فؤاد بصله بغضب.
— إنت عملت إيه؟
وهنا فهمت حاجة.
هو ماجاش يزورنا بالصدفة.
قلت:
— إنت عرفت إن حاتم بيدور ورا الملفات، صح؟
سكت.
— عشان كده جيت؟
فؤاد رفع صوته:
— أنا مش فاهم إنتوا بتتكلموا عن إيه!
أمي فجأة قالت:
— 17 أكتوبر.
فؤاد اتجمد.
— الساعة كانت بعد نص الليل.
وشه بدأ يتغير.
أمي كملت:
— إنت اللي كنت سايق العربية.
— اخرسي!
صرخته خلتني أتنفض.
لكن أمي ماخافتش المرة دي.
— وأخويا… أقصد جوزي، كان قاعد جنبي.
فؤاد بص حوالين نفسه كأنه بيدور على مخرج.
وقفت قدام الباب.
— محدش هيمشي.
بصلي.
— ابعدي يا سلمى.
— مش قبل ما أعرف عملتوا إيه في أمي.
— أبوكي مش موجود. سيبي الماضي في حاله.
صرخت:
— وأنا أمي كانت عايشة في الشارع عشرين سنة!
سكت.
دموعي نزلت غصب عني.
— كانت بتنام في المحطات، وإحنا قاعدين في بيتنا بنعمل ذكرى سنوية لاختفائها!
فؤاد بص لأمي.
— إحنا مكانش قصدنا يحصل كده.
أمي قالت:
— يبقى قولها.
— لوسيا…








