Uncategorized

القلادة

الدم جمد في عروقي.

لأني أعرفه.

شخص مستحيل يكون موجود في الصورة.

مقالات ذات صلة

بصيت لحاتم وأنا مش قادرة أتنفس.

— الصورة دي إمتى؟

— من أربع سنين.

أشرت للشخص الثالث.

— طب إزاي؟!

حاتم سكت.

صرخت:

— إزاي جلال موجود في الصورة دي؟!

لأن حسب السجل الرسمي اللي بإيدي…

جلال كان غايب عن الدنيا من سنين طويلة.

**نهاية الفصل الثالث**

فضلت باصة للصورة وأنا حاسة إن عقلي رافض يفهم اللي عيني شايفاه. يوسف. حاتم. وجلال. الراجل اللي ناديته طول طفولتي: **بابا.** واللي وقفت قدام قبره من 12 سنة وأنا بعيط. رفعت الصورة قدام حاتم. — رد عليا… إزاي جلال موجود في صورة من أربع سنين؟! حاتم أخد نفس طويل. — لأن جلال ما اختفاش من 12 سنة. أمي شهقت. أما أنا… .

مش من الفرحة.

ضحكة عصبية خرجت مني غصب.

— حلو… حلو أوي.

بصيت حواليّا.

— أمي مختفية عشرين سنة، أبويا الحقيقي كان عايش وأنا معرفش، والراجل اللي رباني أعلن اختفاؤه رسميًا…

قربت من حاتم.

— فاضل إيه تاني؟

حاتم قال:

— حاجات كتير.

— يبقى اتكلم!

فؤاد كان واقف بعيد ووشه أصفر.

بصيتله.

— وإنت كنت عارف؟

— والله ما كنت أعرف إنه لسه موجود.

— بس ساعدته يخفي أمي.

وطى راسه.

— أيوه.

أمي كانت مركزة مع الصورة.

مدت إيدها وأخدتها مني.

أصابعها وقفت فوق وش جلال.

— كبر.

وبعدين همست:

— لكنه هو.

سألت حاتم:

— مين اللي كان في التابوت؟

— مفيش حد.

اتلخبطت.

— يعني إيه؟

— الجنازة كان فيها تابوت مقفول.

افتكرت.

غياب جلال الرسمي كان بعد واقعة كبيرة حصلت للعربية.

قالوا إن العربية اتضررت بشكل كبير.

وإن حالته ما تسمحش إننا نشوفه.

كنت وقتها عندي 24 سنة.

فاكرة فؤاد وهو بيحضني قدام المقابر ويقول:

**«خلي صورتك الأخيرة لأبوكي وهو عايش أحسن.»**

بصيت لفؤاد.

— إنت اللي منعتني أفتح التابوت.

رفع عينيه بصدمة.

— أنا كنت مصدق إن أخويا جواه!

حاتم قال:

— شهادة الوفاة اتعملت بأوراق مزورة.

— ليه؟

— لأن جلال كان محتاج يختفي رسميًا.

— محتاج؟!

— كان فيه تحقيقات مالية قربت منه، وديون، وقضية تزوير عقود أراضي.

قلت:

— يعني هرب.

— أيوه.

سكت لحظة ثم كمل:

— لكن ده مكانش السبب الوحيد.

أمي رفعت عينيها.

— يوسف.

حاتم هز راسه.

— يوسف كان رجع يدور عليكم.

قعدت على الصندوق الخشبي.

كل حقيقة كانت أسوأ من اللي قبلها.

— احكي من الأول.

حاتم قعد قدامي.

— من حوالي خمس سنين، دخل راجل كبير مقر الشركة وطلب يقابلني.

— يوسف؟

— أيوه. قال إن عنده معلومات عن قطعة أرض أنا كنت ناوي أشتريها. افتكرته مجرد سمسار.

— وبعدين؟

— وراني صورة ليكي وإنتِ طفلة.

بصيتله.

— صورتي؟

— وسألني: «إنت جوز سلمى جلال؟»

قلبي وجعني.

حاتم كمل:

— لما قلتله أيوه، بدأ يسأل عنك. عايشة فين؟ كويسة؟ عندك أولاد؟ سعيدة؟

— وإنت مقولتش لي؟

— في الأول افتكرته نصاب.

— خمس سنين يا حاتم!

— عارف.

— كمل.

— طلب مني أعمل تحليل نسب.

رفعت راسي بسرعة.

— إيه؟

— كان معاه حاجات تخصه، وطلب عينة منك.

وقفت.

— أخدت عينة مني من غير إذني؟!

حاتم قال بسرعة:

— لأ. رفضت.

الغضب اللي جوايا هدي درجة واحدة.

— قلتله لو عنده ادعاء زي ده يواجهك بنفسه.

— ليه ماعملش كده؟

حاتم بص ناحية أمي.

— لأنه كان خايف من جلال.

قلت:

— اللي المفروض مش موجود.

— يوسف كان عارف إنه لسه موجود.

الصمت رجع.

— إزاي؟

— كان شافه.

أمي قربت.

— فين؟

— اليونان.

فؤاد قال بصدمة:

— جلال في اليونان؟

حاتم رد:

— كان.

التقطت الكلمة.

— كان؟

حاتم بصلي.

— رجع مصر من حوالي شهرين.

برد جرى في جسمي.

— هو هنا؟

— أيوه.

أمي رجعت خطوتين.

— لأ…

مسكت إيدها.

— متخافيش.

لكنها كانت بتترعش.

— هو عرف إني لسه موجودة؟

حاتم ما ردش.

صرخت:

— حاتم!

— غالبًا أيوه.

أمي حطت إيدها على بوقها.

— علشان كده لقيتني؟

حاتم هز راسه.

— لما عرفت إن جلال رجع، رجعت أدور في كل حاجة يوسف سابهالي. وقتها وصلت للمبنى القديم والملفات.

بصيتله.

— ومنه وصلت لأمي.

— أيوه.

— طب ليه جبتها البيت؟ ليه ما قلتليش من أول لحظة؟

— لأن يوسف حذرني.

— من إيه؟

حاتم مد إيده للصندوق.

طلع جهاز تسجيل صغير قديم.

— من جلال.

ركب الشريط.

ضغط تشغيل.

شوشرة.

وبعدين…

صوت راجل مسن.

**يوسف.**

— «لو سلمى بتسمع التسجيل ده، فغالبًا أنا مقدرتش أقابلها.»

حطيت إيدي على صدري.

دي أول مرة في حياتي أسمع صوت أبويا الحقيقي وأنا عارفة إنه أبويا.

الصوت كمل:

— «يا بنتي… أنا ما سبتكيش بإرادتي.»

دموعي نزلت.

— «فضلت سنين فاكر إنك ما جيتيش الدنيا أصلًا. ولما عرفت الحقيقة، حاولت أوصلك.»

الصوت سكت ثواني.

— «لكن جلال سبقني.»

وبعدين قال:

— «جلال مش خايف إن سلمى تعرف مين أبوها بس… جلال خايف من لوسيا.»

بصيت لأمي.

— «لأن لوسيا شافت حاجة ليلة اختفائها.»

أمي حطت إيديها على رأسها.

إيديها بدأت ترتعش.

حاتم وقف التسجيل.

قلت:

— ليه وقفته؟!

أمي فجأة قالت:

— أنا افتكرت.

كلنا بصينا لها.

وشها كان أبيض.

— ليلة ما واجهت جلال بالجوابات… ما اتكلمناش بس.

قربت منها.

— إيه اللي حصل؟

— يوسف كان باعتلي مستندات.

— مستندات إيه؟

— تثبت إن جلال كان بيزور عقود أراضي وياخد أملاك ناس غايبين أو مسافرين.

حاتم قال:

— نفس القضية اللي كان هيتحقق معاه فيها بعد سنين.

أمي هزت راسها.

— قلتله هبلغ عنه.

— وبعدين؟

غمضت عينيها.

— اتخانقنا.

مسكت إيدها.

— وبعدها؟

— وقعت على الأرض… لكنه افتكر إني فقدت الوعي.

بدأ صوتها يترعش.

— فؤاد جه.

فؤاد قرب.

— أنا جيت بعد المكالمة.

أمي بصتله.

— لأ… كان فيه حد قبلك.

فؤاد وقف.

— مين؟

أمي ضغطت على دماغها.

— راجل دخل المكتب.

— مين يا ماما؟

فتحت عينيها.

— الدكتور.

— دكتور مين؟

— الدكتور اللي بعد كده أخدني للمركز بتاعه.

حاتم قال:

— اسمه؟

أمي حاولت تفتكر.

— نادر… نادر…

فؤاد قال:

— نادر الشامي؟

أمي أشارت له.

— أيوه!

فؤاد بص لحاتم.

— الدكتور نادر مش موجود من سنين.

حاتم قال:

— لأ.

فؤاد اتجمد.

— إيه؟

— عايش. وعنده مستشفى خاص دلوقتي باسم مختلف.

سألت:

— وإيه اللي أمي شافته؟

أمي رجعت تكمل.

— سمعت جلال بيقول للدكتور: «لو الورق ده خرج، إحنا الاتنين هنروح في داهية.»

— وبعدين؟

— الدكتور رد عليه…

صوتها اختنق.

— قاله: «المشكلة مش الورق… المشكلة الشخص اللي يعرف الحقيقة.»

المكان كله سكت.

قلت:

— مين الشخص؟

أمي بدأت تبكي.

— معرفتش وقتها.

حاتم شغّل التسجيل تاني.

صوت يوسف رجع:

— «لوسيا ما كانتش مجرد زوجة عايزة تمشي. كانت الشاهدة الوحيدة اللي تقدر تربط جلال بحاجة حصلت قبل اختفائها بيومين.»

شهقت.

التسجيل كمل:

— «والحقيقة دي هي السبب في كل حاجة حصلت بعد كده.»

حاتم وقف التسجيل.

قلت بعصبية:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى