سير

فضلت واقفة في طرقة المستشفى، والموبايل في إيدي، كأني نسيت إزاي أتحرك.
الجملة كانت واضحة جدًا.
“ولو مراتك عرفت إن ليلى بنتك… كل حاجة هتضيع.”
ليلى بنتك.
رجعت قريتها مرة.
واتنين.
وعشرة.
كل مرة كنت مستنية الكلمة تتغير.
لكنها ما اتغيرتش.
حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
قعدت على أول كرسي قابلني.
إيدي كانت ساقعة.
وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
بنت.
جوزي عنده بنت.
مش بس بنت…
بنت عندها أربع سنين.
يعني اتولدت وإحنا متجوزين.
قفلت عيني.
وفجأة، حاجات صغيرة جدًا من سنين بدأت ترجعلي.
سفرية شغل كل شهرين.
مواعيد كان يقول إنها اجتماعات متأخرة.
مرات كان يرجع فيها ساكت ومجهد.
مرات كان يرفض أروح معاه مشوار بحجة إنه “شغل وممل”.
وأنا؟
كنت بصدقه.
مش لأني ساذجة.
لكن لأني كنت واثقة فيه.
الثقة ساعات بتخلي الإنسان ما يسألش أسئلة كان المفروض يسألها من زمان.
فتحت الألبوم المخفي تاني.
كان فيه صور كتير.
ليلى وهي عندها سنة.
ليلى في حضانة.
ليلى بتفتح هدية.
ليلى نايمة على كتف أحمد.
وكل ما كنت بنزل لتحت…
كنت بحس إن كل صورة بتاخد جزء من حياتي وتكسّره.
آخر صورة كانت من أسبوع واحد بس.
أحمد وليلى قاعدين في كافيه.
والطفلة حضناه من رقبته.
وتحت الصورة تعليق:
“بابا وعدني إنه هييجي معايا المستشفى.”
غمضت الموبايل بسرعة.
في اللحظة دي سمعت صوته من جوه الأوضة:
—مريم؟
انتفضت.
رجعت له.
دخلت وأنا بحاول أخلي وشي ثابت.
أول ما شافني قال:
—الولاد كويسين؟
قلت:
—آه.
سكت شوية.
بعدين قال:
—إنتِ كويسة؟
بصيت له طويل.
كنت نفسي أقول له:
“لأ، أنا اكتشفت إن حياتي كلها كذبة.”
لكن قلت:
—متوترة بس.
مد إيده ناحيتي.
—تعالي اقعدي جنبي.
قربت.
قعدت.
فضل ماسك إيدي.
والغريب…
إن لمسته كانت لسه مألوفة.
نفس الإيد اللي كنت بنام وأنا ماسكاها.
نفس الإيد اللي شالت ولادنا أول مرة.
ونفس الإيد اللي كانت بتحضن طفلة تانية وبتخبيها عني.
قلت فجأة:
—أحمد…
—نعم؟
—لو في حاجة كبيرة جدًا مخبيها عني… ممكن تقولها دلوقتي؟
وشه اتشد.
بس بسرعة رجع طبيعي.
قال:
—إيه السؤال الغريب ده؟
قلت:
—مش عارفة… يمكن الحادثة خلتني أفكر.
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
—يا مريم، أنا ما عنديش حاجة أخبيها عنك.
الجملة نزلت عليا أتقل من أي اعتراف.
لو كان اعترف…
يمكن كنت أقدر أفهم.
لكن إنه يبصلي في عيني ويكدب؟
دي كانت حاجة تانية.
قمت من الكرسي.
قلت:
—هجيبلك مية.
طلعت برا.
وبمجرد ما الباب قفل، فتحت الموبايل تاني.
كنت بدور على رقم سلمى.
لقيته محفوظ جوه التطبيق باسم:
“S”
بس.
أخدت الرقم على موبايلي.
وقعدت أبصله.
اتصل؟
ما اتصلش؟
فضلت ثواني طويلة.
وبعدين ضغطت.
رن مرة.
مرتين.
تلاتة.
رد صوت ست.
—ألو؟
سكت.
قالت:
—ألو؟
بلعت ريقي.
قلت:
—سلمى؟
سكتت هي كمان.
وبعدين قالت بحذر:
—مين معايا؟
قلت:
—أنا مريم… مرات أحمد.
الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية يجاوب على أسئلة كتير.
سمعت نفسها يتغير.
قالت:
—مريم…
قلت:
—إنتِ تعرفيني؟




