ابنها امر الحراس

ا.
الجزء التاني الملف اللي كان هيضيّع عمري كله
في صباح يوم هادي، مارك جه زارني.
دخل البيت وهو شايل ملف كبير، وقعد قصادي على الترابيزة.
كان مبتسم، وبيتكلم بنبرة هادية، كأنه جاي يطلب مني طلب بسيط.
قال: “إزيك يا أمي؟ عاملة إيه النهارده؟”
قلت له: “الحمد لله يا حبيبي. إنت عامل إيه؟ والشغل أخباره إيه؟”
رد: “كله تمام. وبالمناسبة، أنا جبت لك شوية أوراق تخص الشركة. محتاجين توقيعك بس.”
مد إيده بالملف وحطه قدامي.
سألته: “أوراق إيه يا مارك؟”
ابتسم وقال: “إجراءات عادية يا أمي. تحديثات في ملكية الشركة، وحاجات إدارية كده. إنتِ عارفة إني المسؤول عن الإدارة، فبدل ما نفضل كل شوية نرجع لك في كل ورقة، نخلّص الموضوع مرة واحدة.”
كنت هآخد القلم وأمضي، لأني طول عمري واثقة في ابني.
لكن قبل ما أمضي، حسيت إن من حقي أعرف أنا بمضي على إيه.
فتحت الملف وبدأت أقرأ.
في الأول، الأوراق كانت فعلًا بتتكلم عن الشركة، لكن كل ما قلبت صفحة، بدأت تظهر تفاصيل غريبة.
وقفت عند بند معين، ورجعت قرأته مرة تانية.
وبعدين انتقلت للصفحة اللي بعدها، وحسيت إن إيدي بدأت تبرد.
الأوراق كانت بتنص على نقل حصتي في الشركة إلى مارك، وبعدها لقيت مستندات تانية بتتعلق بنقل ملكية البيت والأراضي.
يعني مش مجرد تفويض إداري، ولا إجراء مؤقت، زي ما كان بيقول.
كان عايزني أتنازل عن كل حاجة!
رفعت عيني وبصيت له.
كان لسه مبتسم، ومستني إني أخلص توقيع.
سألته بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة: “مارك، إنت فاهم الورق ده بيقول إيه؟”
ابتسامته اختفت شوية.
قال: “أيوه يا أمي، طبعًا فاهم.”
قلت: “يعني إيه أنقل ملكية البيت والأراضي والشركة كلها باسمك؟!”
اتنهد بضيق وقال: “يا أمي، إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟ أنا ابنك الوحيد. وفي الآخر كل ده هيرجع لي.”
قفلت الملف وحطيته على الترابيزة.
وقلت له بوضوح: “يمكن في يوم من الأيام، لكن طول ما أنا عايشة، دي أملاكي، وأنا اللي أقرر أعمل فيها إيه.”
ملامحه اتغيرت.
قال: “يعني إنتِ مش واثقة فيّا؟”
رديت: “الموضوع ملوش علاقة بالثقة. أنا واثقة إنك ابني، لكن الثقة مش معناها إني أمضي على ورق مش مقتنعة بيه.”
قام من مكانه، وبدأ يتحرك في الصالون بعصبية.
“أنا اللي بدير الشركة يا أمي! أنا اللي شايل المسؤولية كلها! ومع ذلك، كل قرار لازم أرجع لك فيه!”
قلت له: “إنت بتدير الشركة بموافقتى، وأنا اللي سلّمتك مسؤوليتها لأني كنت عايزاك تنجح. لكن ده مش معناه إنك تاخد كل حاجة مني وأنا لسه عايشة.”
بص لي بغضب وقال: “إنتِ بتعامليني كأني غريب!”
حاولت أهدّيه وقلت: “أنا مش بعاملك كغريب يا مارك. إنت ابني، وأغلى حد عندي. بس أنا مش هتنازل عن بيتي وأرضي بالطريقة دي.”
شال الملف من على الترابيزة، وقام من غير ما يقول كلمة تانية.
وقبل ما يخرج، بص لي وقال: “إنتِ هتندمي على موقفك ده.”
الكلمة دي فضلت ترن في ودني حتى بعد ما الباب اتقفل.
ماكنتش مصدقة إن ابني اللي كنت بعتبره أماني، بقى بيهددني لمجرد إني رفضت أتنازل عن حقي.
ومع ذلك، كنت لسه بحاول أقنع نفسي إنه غضبان، وإنه لما يهدى هيرجع لطبيعته.
لكن اللي حصل بعد كده أثبت لي إن المشكلة ماكانتش غضب عابر.
المشكلة كانت إن مارك بدأ يشوفني عقبة في طريقه، وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان يشيل العقبة دي من قدامه.
الجزء التالت كلارا كانت بتصب الزيت على اللهيب
بعد رفضي التوقيع، الزيارات بقت قليلة، والمكالمات بقت أقصر.
ولما مارك كان بيكلمني، كان دايمًا بيرجع لنفس الموضوع.
مرة يقول لي: “الشركة محتاجة قرارات أسرع.”
ومرة يقول: “إنتِ مش محتاجة كل الأراضي دي.”
ومرة تالتة يقول: “إنتِ كده بتعطّليني عن مستقبلي.”
كنت برد عليه بهدوء، وأفكره إنني ماحرمتوش من حاجة، وإنني بالفعل سلّمته إدارة الشركة عشان يكون له مستقبل مستقر.
لكنه ماكانش عايز الإدارة بس.
كان عايز الملكية الكاملة، ومن غير ما يسيب لي حتى الحق في اتخاذ القرار.
أما كلارا، فكانت بتزود اللهيب كل يوم.
في إحدى المرات، كنت بسمع صوتها في الخلفية وهو بيكلمني، وفجأة سمعتها بتقول له: “هي لسه رافضة؟! طب إنت هتفضل مستني لحد إمتى؟”
مارك حاول يبعد عن صوتها، لكنه كان متضايق، وقال لي: “بصي يا أمي، أنا مش هقدر أفضل على الوضع ده كتير.”
سألته: “أي وضع يا مارك؟ إني محتفظة بحقي؟”
رد بعصبية: “إنك مش بتسمعي كلامي!”
سكتُّ لحظة.
وبعدين قلت: “يا ابني، أنا مش طفلة عشان أسمع كلامك في أملاكي. إنت تقدر تنصحني، وتقدر تطلب مني، لكن ماينفعش تفرض عليّا أتنازل عن كل حاجة.”
قفل المكالمة من غير ما يرد.
بعدها بأيام، جالي شخص أعرفه من زمان، وكان بيشتغل في مجال المحاسبة وسبق له التعامل مع الشركة.
قعد معايا، وبعد كلام طويل، قال لي إنه لاحظ تغييرات مقلقة في بعض الإجراءات الإدارية.
ماكانش عنده كل التفاصيل، لكنه نصحني إني أراجع أوراق ممتلكاتي بنفسي، وأتأكد إن كل حاجة قانونية وواضحة.
نصيحته خلتني أفكر.
أنا ماكنتش عايزة أظلم ابني، ولا أتهمه بحاجة من غير دليل، لكن في نفس الوقت ماينفعش أغمض عيني عن اللي بيحصل.
بدأت أراجع أوراق الملكية، وأتأكد إن المستندات الأصلية محفوظة، وإن مافيش أي تفويض يسمح بنقل ممتلكاتي من غير موافقتي.
وبعدها استشرت محاميًا، وشرحت له اللي حصل.




