روايات وقصص

بعد وفاة بنتي

وقبل أن يتمكن من استيعاب ما يراه، سمع زوج ابنته يقول:

«لقد أرسل والدك المال مرة أخرى. يبدو أنه لن يشك في شيء أبدًا.»

ضحكت سارة بمرارة وقالت:

«لقد مرّت سبع سنوات يا دانيال. سبع سنوات وأنا أعيش كأنني ميتة. إلى متى سنستمر في هذه الكذبة؟»

ردّ زوجها ببرود:

«حتى نحصل على ما نريد. أنت تعرفين أن والدك لن يتوقف عن إرسال المال ما دام يعتقد أنك متوفاة وأنني أربي ابنتك وحدي.»

شعر الجد بالغثيان.

لم تكن ابنته ميتة، بل كانت شريكة في خداعه!

لكنه لم يكن مستعدًا بعد لسماع الحقيقة كاملة.

اقترب أكثر من النافذة، فسمع سارة تقول بصوت منخفض:

«لكن هناك مشكلة. ابنتي بدأت تسأل عني. بالأمس سألتني لماذا لا تشبه أمها في الصور، ولماذا لا نذهب إلى قبرها.»

أجاب دانيال بعصبية:

«سأتولى أمر ذلك. الطفلة صغيرة وستنسى.»

عندها فهم الجد لماذا جاءت حفيدته إليه قبل أيام وهي تبكي، وتسأله إن كان من الممكن أن تعود أمها من الموت.

لم تكن الطفلة تتخيل شيئًا.

كانت تعرف أن هناك سرًا، لكنها لم تكن تعرف كيف تكشفه.

عاد الجد إلى سيارته بصعوبة، وأغلق الباب، ثم وضع يديه على وجهه.

كان يريد اقتحام المنزل والصراخ في وجهيهما، لكنه أدرك أن الغضب لن يعيد إليه السنوات التي سُرقت منه.

أخرج هاتفه واتصل بمحاميه القديم.

قال له بصوت مرتجف:

«أريدك أن تأتي إليّ فورًا. هناك جريمة أكبر مما أستطيع تخيّله، وأحتاج إلى معرفة كل شيء عن أوراق وفاة ابنتي.»

في اليوم التالي، بدأ المحامي التحقيق.

كانت المفاجأة الأولى أن شهادة الوفاة صدرت بناءً على مستندات مشبوهة، وأن الرجل الذي زعم أنه تعرّف على الجثمان كان صديقًا مقربًا لدانيال.

أما المفاجأة الثانية، فكانت أن دانيال سحب مبالغ ضخمة من الأموال التي أرسلها الجد، وحوّل جزءًا منها إلى حسابات لا يعرفها أحد.

لكن الصدمة الأكبر ظهرت عندما عثر المحامي على مستندات قديمة تثبت أن سارة كانت تعاني من ديون هائلة، وأنها اتفقت مع زوجها على اختلاق وفاتها للهروب من الدائنين والحصول على أموال والدها دون أن يضطر أحدهما إلى الاعتراف بالحقيقة.

لم يكن الأمر مجرد كذبة عابرة.

لقد خططا لسرقة أموال الجد عامًا بعد عام، مستغلَّين حزنه ووحدته وحبه لابنته.

وعندما واجهه المحامي بالأدلة، نصحه بألا يتصرف بمفرده، بل أن يجمع كل المستندات ويترك الإجراءات القانونية للجهات المختصة.

وافق الجد، لكنه طلب شيئًا واحدًا:

«أريد أن أرى حفيدتي قبل أن يعرفوا أنني اكتشفت الحقيقة.»

في المساء، دعا الجد حفيدته إلى منزله كعادته.

جلست الطفلة بجانبه، وراحت تلعب بأطراف فستانها، قبل أن تسأله بصوت خافت:

«جدي، هل ستغضب مني لأنني أخبرتك؟»

احتضنها بقوة، وانهمرت دموعه.

«أغضب منكِ؟ يا حبيبتي، أنتِ أنقذتِني من العيش في كذبة أكبر.»

رفعت عينيها إليه وسألته:

«هل رأيت أمي؟»

توقف للحظة، ثم أجاب:

«نعم، رأيتها.»

امتلأت عيناها بالدموع.

«إذن هي لم تمت؟»

هز رأسه ببطء.

«لا يا صغيرتي، لكنها ارتكبت أخطاءً كبيرة، وأنا لا أعرف بعد لماذا اختارت أن تبتعد عنكِ وعنّي.»

سكتت الطفلة قليلًا، ثم قالت:

«كنت أعرف أنها حية. رأيتها مرة في سيارة أبي، لكنه قال لي إنها امرأة تشبهها، وطلب مني ألا أخبر أحدًا.»

ضمّها الجد إلى صدره، وشعر بألم يفوق كل ما مرّ به في حياته.

لم تكن ابنته وحدها من خدعته؛ لقد عاشت حفيدته سنوات وسط الأكاذيب والخوف، محرومة من معرفة الحقيقة عن أمها.

وعدها بأنه لن يسمح لأحد بإيذائها مرة أخرى.

بعد أيام، وبالتنسيق مع المحامي والجهات المختصة، واجه الجد ابنته وزوجها بالأدلة.

حاول دانيال الإنكار أولًا، ثم اتهم سارة بأنها صاحبة الفكرة. أما سارة، فانهارت بالبكاء عندما أدركت أن والدها يعرف كل شيء.

اقتربت منه وقالت:

«أبي، أرجوك سامحني. كنت خائفة، وكنت أظن أنني سأتمكن من إصلاح كل شيء لاحقًا.»

نظر إليها بحزن عميق.

«كنت أرسل المال لأنني اعتقدت أنكِ رحلتِ إلى الأبد، ولأنني أردت أن أضمن لحفيدتي حياة كريمة. كنت أزور قبرًا فارغًا، وأبكي على ابنة كانت على قيد الحياة طوال هذه السنوات. هل تعلمين ماذا فعلتِ بي؟»

لم تستطع الإجابة.

قال لها بصوت مكسور:

«كنت أتمنى لو طلبتِ مني المساعدة ألف مرة، بدلًا من أن تدفنيني وأنا ما زلت حيًا.»

لم تكن الدموع كافية لمحو ما حدث، ولم يكن الاعتذار قادرًا على إعادة السنوات الضائعة.

بدأت الإجراءات القانونية بشأن التزوير والاحتيال، وتوقفت التحويلات المالية. وأصبحت الأموال التي استُخدمت بطريقة غير مشروعة جزءًا من التحقيق، بينما تولّى المحامي حماية حقوق الطفلة ومصالحها.

أما سارة ودانيال، فقد اضطرا إلى مواجهة عواقب أفعالهما أمام القانون.

مرّت أشهر.

عاد الجد إلى حياته، لكن شيئًا فيه لم يعد كما كان.

لم يستطع أن يسامح ابنته بسهولة، ولم يطلب منه أحد أن يفعل ذلك فورًا. كان يعلم أن الحب لا يعني تجاهل الخيانة، وأن صلة الدم لا تمنح أحدًا الحق في سرقة عمر إنسان أو التلاعب بمشاعره.

ومع ذلك، لم يحرم حفيدته من حنانه.

كانت تزوره كل أسبوع، ويجلسان معًا في الحديقة، ويزرعان الزهور التي أحبّتها أمها يومًا.

وفي أحد الأيام، سألته الطفلة:

«جدي، هل ستسامح أمي يومًا؟»

نظر إلى السماء طويلًا قبل أن يجيب:

«ربما يا حبيبتي. لكن المسامحة لا تعني أن ننسى ما حدث، ولا تعني أن نسمح للأخطاء نفسها بأن تتكرر. أحيانًا نحب الناس، ومع ذلك نحتاج إلى أن نضع حدودًا تحمينا منهم.»

ابتسمت الطفلة، ثم أمسكت بيده.

وبعد لحظة، أضافت:

«أنا سعيدة لأنني أخبرتك الحقيقة.»

قبّل جبينها وقال:

«وأنا سعيد لأنك كنتِ شجاعة بما يكفي لتفعلي ذلك.»

في تلك الليلة، عاد الجد إلى منزله، وأخرج صورة قديمة لابنته وهي طفلة صغيرة، قبل أن تتعلم الكذب، وقبل أن يتحول الحب بينهما إلى جرح.

لم يمزّق الصورة، ولم يخفها.

وضعها في درج مكتبه، وأغلقه بهدوء.

لم يكن مستعدًا لنسيان ابنته،

لكنه لم يعد مستعدًا أيضًا لأن يعيش أسيرًا للوهم الذي صنعته.

فقد تعلّم أخيرًا أن أقسى أنواع الفقد ليس أن يموت من نحب، بل أن نكتشف أنهم كانوا أحياء طوال الوقت، وأنهم اختاروا أن يتركونا نموت حزنًا عليهم.

أما حفيدته، فقد كبرت وهي تعرف أن الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكنها تظل أفضل من كذبة تسرق من الإنسان سنوات عمره.

النهاية.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى