تحت

ما اتحركش.
سألته:
— مين الست دي؟
سكت.
رفعت الصورة قدامه.
— ومين الطفل اللي إنت كاتب وراه “ابني”؟
قال بسرعة:
— اسمعيني الأول.
ضحكت.
ضحكة صغيرة طالعة من
— سبع سنين وأنا بسمعك. أعتقد جه دورك تجاوب.
دخل الأوضة وقفّل الباب وراه.
الحركة دي خوفتني.
قمت فورًا.
— ما تقفلش الباب.
بصلي باستغراب.
— إيه؟
— افتحه.
— حبيبتي…
صرخت:
— ما تقوليش حبيبتي!
وقف مكانه.
فتحت الباب بنفسي.
وبعدين رجعت وقفت بعيد عنه.
قلت:
— اتكلم.
بص للصورة.
— الطفل اسمه سليم.
— ابنك؟
سكت.
— سألتك ابنك؟
قال:
— أيوه.
حسيت إن الأرض اتحركت تحتي.
كنت مستنية يقول سوء تفاهم.
ابن صاحبه.
ابن أخوه.
أي كذبة حتى.
لكن قالها.
أيوه.
مسكت طرف الدولاب علشان ما أقعش.
— عنده كام سنة؟
— خمس سنين.
بصيتله.
— خمس؟
بدأت أحسب.
إحنا متجوزين سبع سنين.
يعني الطفل اتولد وإحنا متجوزين.
قلت:
— يعني خنتني.
قال فورًا:
— لأ.
— عندك طفل عمره خمس سنين وإحنا متجوزين سبعة وبتقولي ما خنتنيش؟
— لأن الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
رميت الصور على
— الجملة دي ما تقولهاش! لو سمحت ما تقوليش “مش زي ما إنتِ فاهمة”، لأن اللي أنا فاهماه واضح جدًا!
قرب خطوة.
رجعت خطوة.
وقف.
قال:
— الست اللي في الصورة اسمها داليا.
— مش مهتمة باسمها.
— لازم تعرفي مين هي.
— ؟
— لأ.
— مراتك التانية؟
— لأ.
— أمال مين؟!
بصلي فترة.
وقال:
— أرملة أخويا.
سكت.
— أخوك؟
— أيوه.
هزيت راسي.
— إنت معندكش إخوات.
غمض عينه.
وهنا عرفت إن فيه كذبة تانية.
قلت:
— صح؟
فتح عينه.
— كان عندي.
قعدت على طرف .
— كان؟
— مات من ست سنين.
رفعت عيني له.
— وإحنا كنا متجوزين وقتها.
— أيوه.
— وأخوك مات وإنت ما قلتليش إن عندك أخ أصلًا؟
ما ردش.
قلت:
— والطفل؟
قال:
— ابنه.
فضلت باصة له.
وبعدين بصيت للصورة.
— يعني سليم ابن أخوك؟
— بيولوجيًا… أيوه.
نفسي رجع شوية.
لكن السؤال الأطر جه فورًا.
رفعت الصورة.
— أمال إنت كاتب “ابني” ليه؟
قعد على الكرسي قصادي.
— لأن سليم مايعرفش إن أبوه
— نعم؟
— هو فاكرني أبوه.
سكت لحظة.
— وأنا اللي خليته يصدق كده.
ماعرفتش أقول حاجة.
هو كمل:
— أخويا مات قبل ما سليم يتولد بكام شهر.
— وإنت قررت تاخد مكانه؟
— الموضوع أعقد من كده.
قلت بسخرية:
— واضح إن حياتك كلها أعقد من الجواز اللي أنا كنت عايشاه.
نزل عينه.
قلت:
— والرسالة اللي جات من داليا؟ “ابنك بدأ يسأل ليه باباه عايش مع ست تانية.”
— علشان سليم كبر.
— يعني الطفل فاكر إن أنا الست التانية؟
سكت.
شهقت.
— يا نهار أبيض.
قمت ألف في .
— يعني أنا في حكايتكم إيه؟ الة اللي سرقت أبوه من أمه؟
— هو مايعرفش عنك غير قليل.
وقفت.
— يعرف عني؟
عرف إنه غلط أول ما قالها.
قلت:
— إنت وريته صوري؟
— مرة شاف صورة لينا على الموبايل.
— وقلتله إيه؟
سكت.
— رد!
قال:
— قلتله إنك… واحدة قريبة مني.
ضحكت.
— واحدة قريبة منك؟
مسحت دموعي بعنف.
— مراتك بقالها سبع سنين بقت “واحدة قريبة منك”؟
قال:
— كنت بحاول أحميه.
— مني؟
— من الحقيقة.
بصيتله.
— الحقيقة اللي إنت شايف إن كل الناس أطفال ومينفعش يعرفوها غيرك؟
سكت.
مسكت الموبايل القديم.
— وليه الموبايل ده؟
وشه اتغير.
— علشان أكلم داليا من غير…
وقف.
كملت أنا:
— من غير ما أعرف.
— أيوه.
— وليه الصور متخبية تحت ؟
— علشان ما تشوفيهاش بالصدفة.
ضحكت بمرارة.
— الخطة فشلت.
قال:
— عارف.
بصيت للموبايل.
كان عليه محادثات كتير.
سنين.
قلت:
— هقرأ.
قال بسرعة:
— لأ.
رفعت عيني له.
— ليه؟
— لأن فيه حاجات تخص أخويا وداليا مش من حقي…
قاطعته:
— الموبايل متخبي تحت ي أنا.
سكت.
فتحت المحادثة.
آخر رسالة كانت اللي شفتها.
قبلها:
“سليم نام وهو مستني مكالمتك.”
وقبلها:
“ما تنساش حفلة المدرسة الخميس.”
وقبلها صورة لسليم ماسك شهادة.
ورد جوزي:
“فخور بيك يا بطل. بابا هيجيلك بكرة.”
إيدي بدأت ترتعش.
رجعت بالشهور.
صور.
مصاريف مدرسة.
دكتور.
عيد ميلاد.
رحلات.
مكالمات.
حياة كاملة.
قلت:
— كل مرة كنت بتقولي عندك سفرية شغل…
ما ردش.
— كنت بتروح لهم؟
— مش كل مرة.
— كام مرة؟
— كتير.
قعدت.
— وإجازة العيد اللي قولتلي فيها إنك مضطر تسافر بسبب مشكلة في الفرع؟
نزل عينه.
— كنت مع سليم.
— عيد ميلادي من سنتين؟
— رجعتلك بالليل.
افتكرت.
وصل الساعة 11 ونص ومعاه ورد.
اعتذر وقال إن الاجتماع طول.
وأنا ه.
وقلتله:
“ولا يهمك، المهم إنك جيت.”
غمضت عيني.
قلت:
— أنا كنت مغفلة.
قال:
— لأ.
— كنت.
— إنتِ وثقتي فيا.
بصيتله.
— وده طلع أغبى قرار عملته.
الجملة وجعته.
لكن وقتها ماكانش يهمني.
قلت:
— ليه؟
— إيه؟
— ليه ما قلتليش من البداية؟
فضل ساكت.
قلت:
— إحنا اتجوزنا قبل ما أخوك يموت. كان ممكن تيجي تقوللي: أخويا ومراته حامل وأنا عايز أقف جنبهم.
— ماكنتش هقدر.
— ليه؟
— لأنك كنت هتسألي أخويا مين.
— طبيعي!
— وأنا ماكنتش عايز أجاوب.
بصيتله.
— ليه؟
وشه اتغير.
ولأول مرة من ساعة ما لقيت الصور، شفت خوف حقيقي في عينه.
قلت:
— أخوك عمل إيه؟
قال:
— مش أخويا اللي عمل.
— أمال؟
سكت.
قلت:
— قول.
قام وراح ناحية الشباك.
فضل واقف بضهره ليا.
— أنا وأخويا ما اتربناش مع بعض.
— وبعدين؟
— هو كان أخويا من الأب.
— إنت قلتلي أبوك وإنت صغير.
— دي الحقيقة.
— يبقى؟
لف ناحيتي.
— قبل ما يموت، كان عنده بيت تاني.
سكت.
— ومرات تانية.
بدأت أفهم.
— أم أخوك؟
هز راسه.
— أيوه.
— وإنت عرفت إمتى؟
— وأنا عندي عشرين سنة.
— وفضلت ؟
— في السر.
ضحكت من غير فرحة.
— واضح إن السرية موهبة عائلية.
اتوجع لكنه كمل:
— أخويا ماكانش ذنبه حاجة. قربنا من بعض. بقينا أصحاب أكتر من إخوات.
— وداليا؟
— مراته.
— وبعدين مات.
— أيوه.
— إزاي؟
سكت.
ثواني طويلة.
قلت:
— إزاي ؟
رد:
— حادثة عربية.
لكن طريقة قوله للجملة خلتني أعرف إن لسه فيه حاجة.
قلت:
— وإنت كنت معاه؟
بصلي.
ما ردش.
قربت منه.
— كنت معاه؟
قال:
— أيوه.
— إنت كنت سايق؟
سكت.
وقتها قلبي دق .
قلت:
— إنت كنت سايق العربية اللي أخوك ت فيها؟
همس:
— أيوه.
رجعت خطوة.
قال بسرعة:
— بس لازم تعرفي اللي حصل.
— إنت السبب في مه؟
— لأ… يعني…
حط إيده على راسه.
— مش بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.
قلت:
— أمال بأي طريقة؟
قعد.
وبدأ يحكي.
— الليلة دي أخويا اتصل بيا. كان مع داليا، وشرب.
— وإنت روحتله؟
— أيوه. أخدت مفاتيح عربيته وقلت أوصله.
— والحادثة؟
— عربية طلعت قدامنا فجأة. حاولت أفاديها.
سكت.
— العربية اتقلبت.
— وهو ؟
هز راسه.
— وأنا خرجت بسيطة.
نزلت عيني.
بدأت أفهم ليه حس بالذنب ناحية الطفل.
قلت:
— علشان كده اعتبرت سليم ابنك؟
— جزء من السبب.
— والجزء التاني؟
سكت.
قلت:
— فيه إيه تاني؟
قال:
— قبل ما أخويا …
صوته اتر.
— كان واعي لدقايق.
بصلي.
— مسك إيدي وقاللي: “داليا حامل… ما تسيبهمش.”
سكت.
— وأنا وعدته.
ي نزلت رغم غضبي.
القصة.
لكنها ما مسحتش سبع سنين كذب.
قلت:
— كان ممكن توفي بوعدك من غير ما .
قال:
— عارف.
— كان ممكن تساعد الطفل كعمه.
— حاولت.
— أمال ليه فاكر إنك أبوه؟
قال:
— لما كان عنده حوالي سنتين بدأ يسأل.
سكت.
— وداليا كانت بتقوله إن باباه في السما. بس مرة شافني، وناداني “بابا”.
— وإنت صححتله؟
ما ردش.
قلت:
— ما صححتش.
— ماقدرتش.
— وبعدها؟
— الموضوع كبر.
قلت:
— الكذبة كبرت.
هز راسه.
— أيوه.
وقتها افتكرت حاجة.
حاجة صغيرة جدًا.
من حوالي خمس سنين، جوزي فجأة قال إنه مش جاهز نخلف.
قبلها كنا بنتكلم عن الأطفال بشكل طبيعي.
لكن من وقتها، كل مرة أفتح الموضوع يقول:
“لسه بدري.”
وبعدها:
“الشغل مش مستقر.”
وبعدها:
“خلينا نستمتع بحياتنا.”
بصيتله.
— إنت ماكنتش عايز تخلف مني بسبب سليم؟
وشه اتغير.
وكان ده كفاية.
قلت:
— يا نهار أبيض.
— الموضوع مش…
— ما تقولهاش!








