جوزي

غير أي سبب جوزي هو راجل متدين ومحترم معايا وكريم جداً لكن برضه مش طايقاه.. عملت حاجه ندمت عمري
أنا واحدة متجوزة بقالي تلات سنين، وربنا رزقني بطفل عنده سنة ونص، كانت حياتي هادية ومستقرة والمفروض إني أكون أكتر واحدة مبسوطة في الدنيا.. جوزي راجل فيه كل المواصفات اللي أي بنت بتحلم بيها متدين، ابن ناس، محترم جداً معايا، كرمه مغرقني ومستواه المادي ممتاز، شايلني على كفوف الراحة ومش حارمني ولا حارم ابنه من أي حاجة ده غير ان شكله مفيهوش غلطة.
جوازنا كان جواز صالونات تقليدي جداً. أول ما اتقدملي وسألنا عليه وجم قعدوا معانا، انبهرت بيه.. شخصية وزينة الرجال وراجل يعتمد عليه. وافقت وأنا حاسة إني اخترت صح. بس للأسف، بعد الجواز الشغف طار، والمشاعر اتغيرت تماماً.. بقيت حاسة إنه جاد زيادة عن اللزوم، هادي ومتزن بشكل بيخنقني.
كنت أروح معاه أي فرح أو مناسبة عائلية، ألاقيه قاعد جنبي بمنتهى الوقار والاحترام.. في حين إني ألمح مثلاً ابن عمه، فرفوش ومبيبطلش هزار، وياخد مراته ويضحكوا والناس كلها بتضحك معاهم! حاجات تافهة عارفة، وناس كتير هتقول عليا مش وش نعمة، بس بصراحة كانت عاجباني وببقى نفسي أعيش الحالة دي.. نفسي أتجوز واحد يجنني، مش واحد يربيني!
مع الوقت، بقيت مش طايقة حتى نفسه في البيت، وبقيت بختلق المشاكل من لا شيء.. لحد ما جه يوم، كنا راجعين متأخر من فرح عائلي، وأنا حاسة بضيق مش طبيعي. أول ما دخلنا البيت عملت خناقة من الفراغ، وبصوت عالي قلتله أنا مش قادرة أكمل معاك.. أنا عايزة أتطلق!
هو اتصدم، بس عشان راجل رزين ومحترم، مرضيش يرد عليا وأنا متعصبة. ولما أصرّيت إني أسيب البيت في نص الليل، أخدني بنفسه ووصلني لحد بيت أهلي عشان يطمن عليا.
تاني يوم الصبح، أبويا وأخويا قعدوا معايا، وكانوا عايزين يفهموا إيه الكارثة اللي حصلت تخلي واحدة تسيب بيتها بالليل. قعدت ساكتة، مش عارفة أقول إيه! هقولهم إيه؟ مبيزعقليش؟ مبيبخلش عليا؟ مفيش أي سبب منطقي يتقال! قلتلهم في الآخر بنبرة عياط أنا مش عايزاه.. مش حاساه ومافيش قبول!
طبعاً أبويا وأخويا هزقوني تهزيق العمر، وقالولي احمدي ربنا على النعمة اللي في إيديكي! معاكي راجل محترم وبيحبك ومطيرك في السما، بلاش خيابة متخربيش بيتك عشان خاطر ابنك اللي ملهوش ذنب ده!
ورجعوني ليه. وهو بصراحة، أول ما رجعت طيب خاطري بكلمتين وحاول يلم الموضوع ولا كأن حاجة حصلت، ورجعت الحياة تمشي بالروتين التقليدي اللي بيخنقني.
بس أنا دماغي مكنتش سكتت.. كنت مصرة إني أخرج من الجوازة دي، وكنت بدور على أي سبب يخلي أهلي يقفوا في ضهري.
هنا افتكرت واحدة صاحبتي من أيام الدراسة، كانت مسافرة وعايشة في كندا ولسه راجعة مصر من شهرين. البنت دي عاقلة جداً، وبتفكر بميزان العقل، وعايشة بدماغها. كلمتها وحكيتلها قد إيه أنا مخنوقة وحاسة بملل، وطلبت منها تيجي تقعد معايا شوية عشان أفهم نفسي.
اتفقنا على يوم إجازة جوزي. الصبح قلتله إني هقابل صاحبتي شوية، وأخدت ابني ونزلت قابلتها تحت البيت وقعدنا في العربية.
قعدت أحكيلها وأنا قلبي بيدق بسرعة، حاسة إني خلاص عايزة حريتي.. حكيتلها إني حاسة إن حياتي روتين وإن جوزي هادي بزيادة.
اللي حصل بعد كده غير تفكيري تماماً.
صاحبتي سمعتني للآخر بمنتهى الهدوء، وبعدين قالتلي بمنتهى الجرأة والصراحة فاكرة يا فلانة لما كنا بنتقابل أول ما رجعت من كندا؟ فاكرة لما كنتي بتقعدي بالساعات تحكيلي عن جوزك؟ عن التزامه، أخلاقه، كرمه، ونظافته، وإن مفيش ست تقعد معاه إلا وتحترمه؟ انتي كنتي بتوصفي راجل أتمناه أي ست عاقلة في الدنيا! انتي كنتي بتحكي عن نعمة كبيرة ربنا ادهالك.
كلامها نزل عليا زي المية الساقعة اللي بتفوق.
كملت وقالتلي: انتي مش دريانة بالنعمة اللي في إيديكي، بس أنا عارفة قيمتها كويس جداً.. الهدوء اللي انتي شايفاه خنقة ده أمان، والوقار ده احترام ليكي ولابنك، والكرم ده عز انتي عايشة فيه.
أنا كنت قاعدة أسمع ورجلي مش شيلاني، حاسة إن الأرض بتلف بيا من كتر ما كلامها صح.
قالتلي: انتي بتبصي برة على ناس بتضحك في فرح ساعتين، ومش شايفة راجل شايلك 24 ساعة بكل حب واحترام! الفرفشة اللي انتي بتحلمي بيها دي لحظة وبتخلص، لكن الأمان اللي انتي فيه ده عمر كامل.
دموعي نزلت لوحدها ومكنتش عارفة أرد.
طلعت البيت، لقيت جوزي قاعد شايل ابني وبيلاعبه، واللاب توب مقفول وسايب شغله عشان يخلي باله منه. بصلي بابتسامة هادية وقالي: كنتي وحشاني انتي وهو.
في اللحظة دي حسيت قد إيه كنت عمياء! الراجل ده كان ملكي.. كان أماني وأمان ابني، وأنا اللي كنت هضيعه بإيدي عشان أفكار فاضية.
قعدت قدامه واعتذرتله بصدق، قلتله أنا كنت غلطانة ومش مقدرة النعمة اللي أنا فيها. هو بصلّي باحترام وقالي: كلنا بنمر بلحظات ملل، بس البيوت مش بتتبني بالفرفشة، البيوت بتتبني بالاحترام والمودة والرحمة.
من ساعتها وأنا عايشة في بيت أهلي؟ لا، أنا رجعت بيتي وحضنت جوزي وابني، وقررت أحافظ على النعمة.
أهلي لما عرفوا إني فوقت، أبويا قالي جملة عمري ما هنساها: الراجل المحترم رزق، واللي يلاقيه يحافظ عليه.
عدت الأيام والشهور، وأنا كل يوم بحمد ربنا إني مسمعتش كلام شيطاني ولا خربت بيتي. بقيت أشوف هدوء جوزي أمان، ووقاره عز، وكرمه حب كبير.
كل ما أروح فرح وأشوفه قاعد جنبي بوقاره، أبصله وأضحك من جوايا وأقول هو ده الراجل اللي كنت هخسره من غير أي سبب!
أنا اتعلمت إن السعادة مش في الدوشة والتنطيط، السعادة في راجل محترم يحافظ عليكي ويصونك، وأنا كنت هضيعها بأفكاري، بس ربنا بعتلي صاحبتي في الوقت المناسب تفوقني قبل ما أندم ندم العمر كله.







