عام

شاب مصري اشتري ٩٠ عجل

يوسف وقف مكانه،
بص لسامح وقال:
“أقرب ليا؟ مين؟”

سامح ابتسم.
والده هو اللي اتكلم:
“أنا.”

يوسف اتجمد.
“إنت؟!”

مقالات ذات صلة

الأب تنهد وقال:
“أنا اللي كنت بتابع كل حاجة بتحصل في الأرض من بعيد… لكن عمري ما كنت ضدك.”

يوسف بص له.
“أمال كنت فين طول السنين دي؟”

قال:
“كنت بحاول أتعلم وأفهم أكتر عن الأرض عشان يوم ما ترجع لها أقدر أساعدك صح، مش بكلام وخلاص.”

ثم أخرج ورقة قديمة.
“أنا كنت بجمع معلومات عن المياه الجوفية في المنطقة كلها.”

يوسف سكت.

“وعشان كده كنت بزور المزارع اللي حواليك.”

الدكتور كريم قال:
“يبقى لازم نتعاون كلنا ونبلغ الإدارة البيطرية بكل اللي عرفناه.”

وفعلًا، تم تسليم الخرائط والعينات وملاحظات الجد للجهات البيطرية المسؤولة، ومعها كل اللي جمعه يوسف والدكتور كريم من ملاحظات عن التهوية والنظافة والتغذية.

التحقيقات البيطرية وضحت إن انتشار المرض كان بسبب تغير الجو والزحام في الحظائر وقلة التهوية، وإن المزارع اللي اهتمت بالنظافة والعزل المبكر قدرت تقلل الخسائر.

أما العامل اللي كان بياخد عينات، فطلع كان طالب بيطري صغير بيحاول يتعلم وبيساعد الدكتور كريم يجمع معلومات عن المياه والتربة عشان يفهم ليه أرض يوسف مختلفة.

وبعد فترة، ثبت إن مصدر انتشار المرض لم يكن مزرعة يوسف.

بل إن مزرعته كانت من أقل المزارع خسائر بسبب العزل والتهوية والنظافة والمتابعة البيطرية اليومية اللي كان بيعملها.

أما الـ90 عجلًا…
فمنهم 83 نجوا.

ومع مرور الشهور، كبروا وأصبحوا من أفضل المواشي في المنطقة.

يوسف لم يبعهم.

احتفظ بهم كنقطة بداية لمشروعه.

وبدأ يزرع أرض العائلة من جديد، مستفيدًا من ملاحظات جده، لكن تحت إشراف متخصصين في الزراعة والطب البيطري والدكتور كريم اللي كان بيتابعه خطوة بخطوة.

وبعد سنة واحدة فقط…
كانت الأرض التي وصفها أهل القرية بأنها “ميتة” قد عادت خضراء.

وأصبح يوسف شابًا يعتمد على نفسه، وأصبح الناس يأتون إليه يسألونه عن طريقة تربية المواشي والعناية بالأرض والمياه.

أما الحاج صابر…
فلم يعد يسخر منه.

في يوم، وقف بجواره أمام الحظائر وقال:
“فاكر أول يوم اشتريت فيه العجول؟”

يوسف ضحك.
“أيوه.”

“أنا وقتها قلت إنك اشتريت 90 .”

يوسف ابتسم.
“وطلعوا 83 بداية.”

الحاج صابر هز رأسه.
“لأ… طلعوا أكتر من كده.”

“إزاي؟”
قال:
“طلعوا سبب إنك تكتشف قيمة الأرض، وسبب إن البلد كلها تتعلم إن الوقاية والعلم والنظافة أهم من الكلام اللي بيتقال في القهاوي.”

ثم مد له يده.
“وأنا غلطت لما حكمت عليك من سنك.”

يوسف صافحه بحب.

أما والده…
فكانت علاقته بيوسف مختلفة تمامًا.

لم تختفِ سنوات البعد في يوم واحد، لكن الأب بدأ يعوض ابنه بالفعل، لا بالكلام. بقى يجي المزرعة كل يوم يساعده في الزرع ويسقي معاه.

 

وفي إحدى الليالي، جلسا سويًا أمام المزرعة.

قال الأب:
“أنا آسف إني مكنتش جنبك بدري.”

يوسف سكت.
ثم قال:
“أنا مش محتاج إنك ترجع الزمن.”

“أمال محتاج إيه؟”
يوسف ابتسم:
“محتاجك ما تختفيش تاني ونكمل سوا.”

والده وضع يده على كتفه.
“مش هختفي، أنا هنا.”

وبعد سنوات، أصبح اسم يوسف معروفًا في المنطقة.

ليس لأنه اشترى 90 عجلًا مريضًا.
ولا لأنه اكتشف سرًا مدفونًا.
لكن لأنه فهم شيئًا لم يفهمه أغلب الناس حوله:
أحيانًا الناس تشوف الضعف فتخاف منه… بينما الشخص اللي عنده صبر وعلم وإصرار يشوف فيه فرصة حقيقية.

وفي صباح يوم جديد، وقف يوسف أمام المزرعة.

كانت الأرض خضراء.
والـ83 عجلًا أصبحت قطيعًا قويًا بيجري في الحقل.

رفع عينه ناحية الحجر الأبيض اللي كان علامة لبداية الحلم، وابتسم.

وتذكر أول يوم سمع فيه الناس يضحكون عليه ويقولوا مجنون.

ثم قال لنفسه بفخر:
“كانوا فاكرين إني اشتريت 90 عجل مريض… لكن الحقيقة إني اشتريت أول فرصة في حياتي، وتعلمت من جدي إن الأرض عمرها ما كانت فقيرة، احنا بس اللي كنا بنسألها السؤال الغلط.”

ومن يومها…
لم يعد أحد في القرية يضحك عندما يسمع اسم يوسف عبدالسلام، بل بقوا يقولوا: الشاب اللي رجع الروح لأرض عيلته.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى