خطيبة ابني

— متأكد؟
بص ناحية العروسة.
عينيه كانت حزينة جدًا.
لكنه قال:
— لأول مرة… آه.
خرجنا من القاعة وسط نظرات كل الناس.
ولا أنا اتكلمت.
ولا هو اتكلم.
ركبنا العربية.
فضل ساكت يمكن عشر دقايق كاملة.
وبعدين فجأة قال:
— أنا آسف.
بصيتله.
— على إيه؟
قال:
— إني خلتك تشتري فستان جديد وتسكتِ علشان خاطري.
ابتسمت رغم دموعي.
قلت:
— الفستان يتعوض يا ابني.
بصلي.
قلت:
— المهم إنت ما تضيعش نفسك علشان ترضي حد.
سند راسه على الكرسي وغمض عينيه.
وبعد شوية قال:
— كنت حاسس إني لو اعترضت على أي حاجة، هخسرها.
قلتله:
— والنهارده؟
فتح عينيه.
— النهارده فهمت إني لو فضلت ساكت… كنت هخسر نفسي.
عدى أسبوع.
وبعدين أسبوعين.
ما كنتش بسأله عن خطيبته.
كنت سايباه هو اللي يتكلم وقت ما يحب.
وفي ليلة، لقيته داخل عليا وموبايله في إيده.
قال:
— هي باعتالي.
سألته:
— قالت إيه؟
ناولني الموبايل.
الرسالة كانت طويلة.
لكن في آخرها جملة شدت انتباهي:
“أنا كنت فاكرة إن طالما إنت ساكت، يبقى إنت موافق.”
رجعتله الموبايل.
قلت:
— وهترد تقول إيه؟
قال:
— الحقيقة.
قعد وكتب:
“وسكوتي كان غلطي أنا كمان. كان المفروض أتكلم من أول مرة. لكن لو رجعنا نتكلم، مش هنرجع لنفس العلاقة. لازم يبقى لكل واحد فينا رأي وحدود واحترام.”
ما ردتش عليه في نفس الليلة.
لكن بعد يومين، طلبت تقابله في مكان عام.
راح.
رجع بعد ساعتين.
سألته:
— إيه الأخبار؟
قال:
— اتكلمنا كتير.
— وهترجعوا؟
قال:
— مش دلوقتي.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.
— المرة دي مش مستعجل.
مرت شهور.
بدأ ابني يتغير.
مش بمعنى إنه بقى عصبي أو صوته عالي.
بالعكس.
فضل هادي زي ما هو.
بس بقى يقول “لا” لما يكون قصده لا.
وبقى لما يحب حاجة يقولها.
ولما يضايقه شيء ما يدفنهوش جواه.
أما خطيبته السابقة، فعرفت بعد فترة إنها بدأت جلسات إرشاد أسري، لأنها اعترفت لنفسها إن علاقتها بأهلها خلتها تتعامل مع التحكم كأنه شيء طبيعي.
وبعد حوالي سنة…
رجعوا يتكلموا.
من البداية.
من غير فرح.
ومن غير حجوزات.
ومن غير ضغط.
وبعد شهور طويلة، قرروا يدوا علاقتهم فرصة جديدة.
لكن المرة دي بشروط واضحة جدًا من الاتنين.
وفي يوم جت تزورني لوحدها.
قعدت قدامي وقالت:
— أنا مدينة لك باعتذار.
قلت:
— على الفستان؟
هزت راسها.
— على المعنى اللي كان وراه.
وسكتت لحظة.
ثم قالت:
— يومها كنت عايزة أوصل إن أهلي أهم… وإنك ضيفة.
بصيت لها بهدوء.
قالت:
— وده كان غلط.
ابتسمت وقلت:
— المهم إنك عرفتي قبل ما يكون الغلط أكبر.
بعد سنة ونص…
اتجوزوا فعلًا.
فرح أصغر بكتير من الأول.
وأهدى.
والمرة دي، قبل الفرح بأسبوع، خطيبة ابني — اللي بقت زوجته بعد كده — اتصلت بيا.
قالت:
— عايزة أطلب منك طلب.
ضحكت وقلت:
— أوعي تقوليلي ما ألبسش أزرق.
ضحكت هي كمان.
وقالت:
— بالعكس.
— أنا جبتلك شال أزرق مخصوص.
— علشان الأزرق المرة دي…
وسكتت شوية.
— للعيلة كلها.
يوم الفرح لبست نفس الفستان الكحلي اللي كنت اشتريته من أول مرة.
الفستان اللي فضل سنة ونص معلق في الدولاب.
ولما ابني شافني، ضحك وقال:
— أخيرًا لبستيه.
قلتله:
— كل حاجة ليها وقتها يا ابني.
وبصيت ناحية مراته.
كانت واقفة جنب أمها.
وأمها كانت لابسة لون مختلف تمامًا.
لكن المرة دي…
ماكانش اللون هو اللي لفت نظري.
اللي لفت نظري إن ابني كان بيتكلم…
وهي كانت بتسمعه.
وهي كانت بتتكلم…
وهو كان بيسمعها.
وساعتها فهمت إن أحسن حاجة حصلت يوم الفرح الأول…
إنه ماكملش.
لأن ساعات تأجيل فرح يوم واحد…
أرحم بكتير من استعجال جواز ممكن يندم عليه الإنسان عمر كامل.
#اسما_السيد
✍️ الكاتبة أسما السيد — حصري




