رجعوا يقسموا الممتلكات

الفلوس دي راحت فين؟
معرفش.
إزاي؟
لاني من يومها ما بقيتش أقدر أدخل حسابك ولا أعرف أي حاجة عن شركتك.
محمود قعد على الكرسي الخشب، ولأول مرة بدأ يفكر في كل حاجة حصلت خلال الخمس سنين: البيت اتباع، التحويلات اختفت، مريم اختفت، وابنه كبر من غير ما يعرفه، وفي نفس الوقت حسابات شركته كانت دايمًا بتقوله إن المصاريف زادت وإن عليه التزامات.
رفع رأسه فجأة:
رامي.
مريم بصت له:
إيه؟
قال ببطء:
هو الوحيد اللي كان ماسك كل حاجة.
في اللحظة دي، سمعوا صوت نوح من بره:
ماما!
مريم قامت بسرعة وخرجت، ومحمود خرج وراها، لقى نوح واقف قدام العشة، وفي إيده ظرف بني صغير.
قال:
الحاجة فتحية قالت إن الراجل ده لازم يشوفه.
محمود أخد الظرف وبص لمريم:
إيه ده؟
معرفش.
فتح الظرف.. جواه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها عنوان، وتحت العنوان جملة واحدة:
“لو محمود رجع يومًا لازم يعرف الحقيقة قبل ما يوقّع.”
محمود رفع عينه:
مين كتب ده؟
الحاجة فتحية قربت منهم وقالت:
الراجل اللي سابهولي من سنتين.
مين الراجل؟
بصت ناحية الطريق وقالت:
واحد كان شغال معاك زمان.
اسمه إيه؟
سكتت لحظة ثم قالت:
سامح.
محمود اتجمد.. سامح كان المحاسب الأول لشركته، والشخص الوحيد اللي اختفى فجأة قبل ما تبدأ أزمة الشركة بسنة.
فتح الورقة تاني.. كان العنوان لمخزن قديم في منطقة صناعية.
مريم قالت:
هتروح؟
آه.
لكن مريم مسكت إيده قبل ما يتحرك:
لو هتروح عشان تثبت إنك صح بلاش.. لو هتروح عشان تعرف الحقيقة روح.
محمود بص لنوح اللي كان واقف بعيد ماسك عربيته المكسورة، وقال بصوت منخفض:
أنا مش هسيب ابني تاني.
مريم دخلت العشة وأحضرت جاكيت نوح:
خدوه معاكم.
ليه؟
عشان من النهارده، كل حاجة تخصه لازم تبقى قدام عينه.
وبينما محمود بيفتح باب العربية، رن تليفونه.. كان رامي.
رد محمود:
أيوه؟
جاء صوت رامي هادي جدًا:
خلصت موضوع مريم؟
محمود سكت، فكمل رامي:
عشان الاجتماع قرب، والأوراق كلها جاهزة.
محمود بص لمريم وبص للظرف وقال:
الاجتماع اتأجل.
رامي ضحك:
ليه؟
عشان عندي شوية أسئلة.
الصمت اللي حصل على الطرف التاني كان أطول من اللازم، وبعدين قال رامي:
أسئلة عن إيه؟
محمود ابتسم وقال:
عن البيت. وقفل.
لكن قبل ما يحط الموبايل في جيبه، وصلته رسالة من رقم مجهول.. فتحها، فكانت صورة قديمة له مع مريم ونوح، وتحتها:
“لو فتحت الملف مش هتخسر فلوسك بس.”
مريم شافت وشه وقالت:
في إيه؟
ما جاوبش.. ولأن الرسالة التانية وصلت في نفس اللحظة:
“اسأل رامي مين اللي وقّع على الأوراق باسمك.”
محمود فضل باصص للشاشة، وقفل الموبايل بسرعة.
ولا حاجة.
لكن نوح كان قريب وسمع أمه تسأل:
ماما، هو بابا زعلان؟
محمود بص له وقال بهدوء:
لأ يا نوح، بابا بس عنده حاجة لازم يصلحها.
هترجع تاني؟
أه، بجد.
ركبت العربية مع ابنها، ومحمود ركب قدام، وطول الطريق محدش اتكلم لحد ما وصلوا للمخزن المكتوب عنوانه على الورقة.
كان مبنى قديم، بابه الحديد عليه صدأ والمكان مهجور.
محمود نزل من العربية:
خليكي هنا.
مش بعد اللي حصل.
نزلت هي كمان، أما نوح ففضل جوه العربية.
محمود حط المفتاح في القفل ولفه.. الباب اتفتح بصوت معدني، ودخل.
كان المكان ضلمة، شغل كشاف موبايله بين الرفوف والكراتين وأجهزة الكمبيوتر المغطاة بالتراب.
وفجأة سمع صوت حركة في آخر المخزن وقف وقالت:
مين هناك؟
مفيش رد.. اتقدم خطوة ثم خطوة، وفجأة ظهر رجل من بين الرفوف.
محمود رجع خطوة.. الرجل كان في أواخر الخمسينات لابس جاكت قديم وشعره شاب، وبص لمحمود وقال:
اتأخرت أوي.
سامح؟
الرجل هز راسه:
أيوه.
مريم شهقت:
إنت عايش؟
سامح ابتسم بمرارة:
أهو لسه.
محمود مسكه من ذراعه:
إنت اختفيت ليه؟
عشان لما حاولت أقول لك الحقيقة محدش صدقني.
أي حقيقة؟
أشار ناحية مكتب قديم وقال:
اقعد.
اتكلم.
أخذ نفسًا عميقًا وقال:
قبل ما تختفي من حياتهم بسنة، كان رامي بدأ يسحب فلوس من الشركة من غير علمك.
مستحيل!
عندي إثبات.
فتح درج المكتب وأخرج فلاشة صغيرة حطها قدامه:
كل التحويلات موجودة هنا.
محمود مد إيده، لكن سامح مسك الفلاشة قبله:
لسه ما خلصتش.
في إيه تاني؟
بص سامح لمريم وقال:
البيت ما اتباعش عشان ديون الشركة.
أمال اتباع ليه؟
لأن رامي كان محتاج ينقل ملكية البيت بعيد عن اسم محمود.
ليه؟
لأن البيت كان أول حاجة اكتشف منها إن فيه تزوير في أوراق الشركة.
محمود قال:
أنا مش فاهم.
أخرج سامح ورقة قديمة وقال:
البيت كان متسجل باسمك، لكن كان عليه مستندات مرتبطة بضمانات مالية استخدمها رامي من غير ما تعرف.
مريم حطت إيدها على فمها:
يعني لو الشركة وقعت..
البيت كان هيروح.
محمود بص للورقة:
وعشان كده باعه؟
أيوه.
وبفلوسي؟
هز رأسه:
جزء من الفلوس دخل في حسابات الشركة والجزء الأكبر اختفى.
محمود حس بدوار، وقبل ما يسأل السؤال التالي، صدر صوت من خارج المخزن.. باب العربية اتقفل.
مريم بصت ناحية الباب:
نوح!
خرجت بسرعة ومحمود جري وراها.. العربية كانت واقفة، لكن المقعد الخلفي كان فاضي!
صرخت مريم:
نوح!
وقف محمود مكانه.. على الكرسي كان فيه بس العربية اللعبة المكسورة، وفوقها ورقة صغيرة فتحها بإيد مرتعشة:
“لو عايز ابنك يرجع متبلغش الشرطة.”
مريم بصت له وهي على وشك الانهيار:
محمود ابني فين؟!
وفي اللحظة دي، موبايل محمود رن.. رقم مجهول.. رد، فجاء صوت رجل بهدوء:
دلوقتي بس فهمت إن الموضوع مش ورق وفلوس.
ابني فين؟!
عايز تشوف نوح؟
أيوه!
يبقى ارجع القاهرة لوحدك.
ولو أذيتوه..
ضحكة قصيرة قاطعته:
محدش هيلمسه.. بس فيه حاجة لازم تعرفها الأول.
إيه هي؟
نوح مش السبب اللي أخدناه عشانه.
أمال إيه؟
لأننا محتاجين الحاجة اللي مريم مخبياها من خمس سنين.
محمود بص لمريم اللي اتغير لون وشها، ولأول مرة بان عليها الخوف الحقيقي.
قفل المكالمة وسألها:
إيه الحاجة اللي مخبياها؟
ما ردتش..
مريم!
فضلت ساكتة، فقرَّب سامح وقال:
لازم تقوليله.
بصت له بحدة:
إنت مالك؟
دلوقتي حياته وحياة ابنك متعلقين بالموضوع.
قرب محمود خطوة:
أنا مش هسألك مرتين.
غمضت عينيها وقالت:
فيه صندوق.
صندوق إيه؟
صندوق صغير كنت مخبياه من يوم ما خرجت من البيت.
فيه إيه؟
بلعت ريقها وقالت:
حاجات تخصك.. مستندات، صور، وإيصالات.
قاطعها سامح:
وفيه حاجة أهم.. النسخة الأصلية من الدفتر.
دفتر إيه؟
رد سامح:
دفتر الحسابات اللي كان رامي بيستخدمه قبل ما تبدأ كل المشاكل.
وإنت كنت عارف؟
كنت بدور عليه من سنين.
قالت مريم:




