رجعوا يقسموا الممتلكات

لأن رامي لو عرف إننا اكتشفنا الحساب ده، ممكن يغير كل حاجة.
مريم عندها حق.
أمال نعمل إيه؟
ناخد نسخة منه، ونخلي الأصل معانا نروح له من غير ما يعرف إننا عرفنا كل حاجة.
ابتسم سامح:
كده بدأنا نفكر صح.
لكن قبل ما يتحركوا، وصل إشعار جديد على موبايل محمود.. صورة لنوح قاعد على كرسي قدامه طبق أكل وكوباية عصير، شكله مرعوب لكن مفيش إصابة عليه، وتحت الصورة رسالة:
“قدامكم ساعتين.” ومعها عنوان.
قرأه محمود ثم تجمد.. كان: “أول مكتب استأجره هو ورامي يوم بدأوا الشركة.”
المكان ده لسه موجود؟
أوه.
يبقى هو عايز يرجعنا لنقطة البداية.
قفل الصندوق:
هنروح.
وأنا جاية.
المرة دي مش هسيبك لوحدك.
خرجوا من المكان، وقبل ما يركبوا العربية، وقف سامح فجأة:
محمود.. بص على الغلاف من جوه.
فتحه فكان فيه رقم مكتوب بالقلم ورقم موبايل وتحته اسم واحد: مريم.
ده رقمك؟
لأ.
متأكدة؟
أوه.
قارن سامح الرقم بورقة قديمة وقال:
الرقم ده كان رقم مريم قبل ما تتجوزك.
تجمدت مريم:
مستحيل!
الرقم اتكتب في الدفتر قبل جوازكم بثلاث سنين.
يعني إيه؟
يعني رامي كان يعرف مريم قبل ما إنت تتجوزها.
ساد الصمت، هزت مريم راسها بسرعة:
أنا عمري ما قابلت رامي قبل محمود.
وفي نفس اللحظة وصلت رسالة جديدة:
“محمود متسألش مريم عن رامي.. اسألها عن أبوها.”
أول ما قرأت الرسالة، وقعت منها الشنطة لأنها عرفت فورًا إن اللي بعتها عارف سرًا ما قالتهوش لمحمود طوال زواجهما.
قرب منها محمود:
مريم أبوكي ماله؟
أنا مش هضغط عليكي، بس لازم أفهم.
رفعت عينيها وقالت:
أبويا مات وأنا عندي عشرين سنة.. وقبل ما يموت كان عليه دين كبير.
لمين؟
لشخص اسمه فؤاد النجار.
قطّب حاجبه:
مين ده؟
مستثمر كان بيتعامل مع أبويا.. وبعد وفاة أبويا، اختفى فجأة.
سامح:
اسمة ظهر قدامي مرة في حسابات الشركة.
إزاي؟
كان فيه تحويل قديم باسم مؤسسة تابعة ليه.
بدأ محمود يجمع الخيوط:
يعني فؤاد كان يعرف أبوكي وبعدها ظهر في حسابات شركتي ورامي كان بيتعامل معاه؟
بالضبط.
بس ده مش معناه إن أبويا كان له علاقة برامي.
محدش قال كده.. لكن واضح إن حد كان بيجمع المعلومات دي من زمان.
فتح محمود الدفتر مرة تانية وقلب الصفحات ليجد جدولًا صغيرًا في آخره يضم ثلاثة أسماء: فؤاد النجار، رامي الشاذلي، ومريم عبدالعزيز.. وتحت كل اسم تاريخ، والغريب إن تاريخ مريم كان أقدم من تاريخ زواجها بمحمود.
أنا ما قابلتش الراجل ده في حياتي.
يبقى ليه اسمك موجود؟
بدأت تفكر وفجأة افتكرت:
استنى.. أبويا كان عنده مكتب قديم في شارع الجمهورية.
المكتب ده لسه موجود؟
معرفش.. نعرض.
ركبوا العربية، وقبل ما يتحركوا اتصل محمود برقم قديم لأبيـه، رد رجل كبير:
ألو؟
عمي حسن؟
أوه.
أنا محمود.
صمت الرجل للحظات ثم قال:
محمود؟!
محتاج أسألك عن والد مريم.
إيه اللي رجعك للموضوع ده؟
الحقيقة.
أخذ نفسًا طويلًا وقال:
لو رجعت تدور ورا الماضي، هتلاقي حاجات محدش كان عايزك تعرفها.. أبو مريم ما كانش مديون زي ما الناس قالت.
قربت مريم من الهاتف:
أمال إيه؟
عرِف صوتها:
مريم؟
أوه.
أبوكي كان شاهد..
وانقطع الخط!
حاول محمود الاتصال مرة أخرى لكن الهاتف كان مغلقًا.
قال سامح:
لازم نروح للمكتب.
وصلوا بعد نصف ساعة وكان المكتب مقفولًا من سنين، وقفت مريم قدام الباب بتسترجع طفولتها:
هنا كنت بذاكر.
أبوكي كان بيشتغل هنا؟
أوه.
كسروا القفل القديم ودخلوا.. التراب كان مغطي كل حاجة، وعلى الحائط كانت فيه صورة قديمة لمريم وهي طفلة ووالدها واقف جنب رجل آخر.
قربت من الصورة وتجمدت:
ده.. فؤاد النجار.
سامح:
متأكدة؟
أوه.
لاحظ محمود شيئًا آخر خلف الصورة، ظرف مثبت بدبوس نزعه وفتحه ليجد مفتاحًا صغيرًا ورقة مكتوب عليها: “الخزنة رقم 17.”
فين الخزنة؟
أشارت للأرض تحت المكتب، رفعوه ولقوا باب حديد صغير، حط محمود المفتاح وقبل ما يفتحه سمعوا صوتًا من خلفهم:
متفتحهاش.
التفت الثلاثة ليروا رجلًا عجوزًا واقفًا عند الباب ومعه صورة لنوح وقال:
لو فتحت الخزنة هتفهم ليه رامي أخد الولد.
اندفع محمود نحوه:
ابني فين؟!
عند الشخص اللي كان المفروض يحميه من البداية.
مين؟
بص الرجل لمريم وقال:
أبوكي.
شهقت مريم:
أبويا مات من سنين!
هز راسه:
أنا ما قلتش إنه عايش.. قلت إن اللي عمله أبوكي قبل موته هو اللي وصل ابنك للمكان اللي هو فيه دلوقتي.
أخد محمود الورقة وكان عليها توقيع والد مريم، لكن التاريخ كان بعد وفاته بعام كامل!
فضل ماسك الورقة ومش قادر يبعد عينه عن التاريخ:
ده مستحيل.
عشان كده قلت لك متفتحش الخزنة.
قربت منه مريم:
إنت مين؟
اسمي حسن.
رفع محمود عينه فجأة:
عمي حسن؟
أوه.
هو ده اللي كلمته من شوية؟
كنت لازم أتأكد إنكم وصلتوا للمكان قبل ما أظهر.
ابني فين؟
آمن.
عايز أشوفه.
هتشوفه.. لما تخلص اللي بدأه أبو مريم.
صرخت مريم:
أبويا مات! إنتو عايزين مني إيه؟
أشار حسن للخزنة:
افتحيها.
تراجعت مريم:
ليه أنا؟
لأن المفتاح مش هو اللي بيفتحها.
أمال إيه؟
تاريخ ميلادك.. لأن أبوكي كان عارف إنك الوحيدة اللي هترجعي للمكان ده يومًا.
قربت مريم من الخزنة وكتبت تاريخ ميلادها على لوحة صغيرة بجانب الباب، فصدر صوت طقة وانفتح الباب لنجد بداخله صندوق خشب، وملف كبير، ومسجل صوت قديم.
مد محمود إيده ناحية الملف، فقال حسن:
الأول شغّل التسجيل.
أخذت مريم المسجل وضغطت الزر ليخرج صوت رجل قديم ومتقطع، كان صوت والدها:
“مريم، لو سمعتي الرسالة دي، يبقى أنا ما قدرتش أحميكي بنفسي.. فيه ناس هتحاول تقنعك إن محمود هو السبب في كل اللي حصل.. متصدقيش.”
بص محمود لمريم وجاء الجزء اللي جعل الجميع يسكت:
“رامي مش بيشتغل لمصلحته لوحده.. فيه شخص أكبر منه، وهو اللي اختار محمود من البداية.”
همس محمود:
اختارني ليه؟
ولم يجب التسجيل بل قال: “ولو محمود رجع يومًا يدور على الحقيقة سلّميه الملف الأزرق.”
فتحته مريم بسرعة فوجدت صورًا قديمة، عقود، أرقام حسابات، وتقارير عن شركة والدها.. وفجأة وقعت صورة من الملف على الأرض، انحنى محمود وأخذها، وكانت له وهو في بداية العشرينات واقف أمام مكتب والده وبجانبه رامي.
إنت تعرف الصورة دي؟
لأ.
أخذ سامح الصورة وقلبها ليوَجد مكتوبًا على ظهرها: “اليوم الأول.. بداية الخطة.”
خططة إيه؟
الخطة اللي بدأت قبل ما تتجوز مريم.
وأخرج ورقة أخرى قال إنها أخطر ورقة في الملف، عقد شراكة قديم، قرأ محمود الأسماء ليتوقف عند اسم الطرف الثالث الذي لم يكن رامي ولا فؤاد، بل كان اسمًا يعرفه جيدًا.. اسم الشخص الذي وثق فيه طوال حياته!
رفع عينيه ببطء وقال:
لأ..
قربت مريم:
مين؟
لم يرد.. وفي اللحظة نفسها رن هاتف حسن واستمع لثوانٍ ثم قال:
حصلت مشكلة.. المكان اللي فيه نوح اتكشف.
يعني إيه؟
نقلوه للمكان اللي بدأ منه كل شيء.
فين؟
بيتكم القديم.
البيت الذي باعه رامي منذ أربع سنوات! حس محمود إن نفسه اتقطع:
البيت القديم؟!
أوه.
بس البيت اتباع من أربع سنين.
اتباع رسميًا لكن فيه جزء من البيت محدش قدر يلمسه.. القبو.
القبو اللي تحت المطبخ؟
أوه.
كان القبو مكانًا صغيرًا نسى محمود وجوده تقريبًا، كان والد مريم يستخدمه زمان لتخزين أوراق قديمة وبعد زواجهم أغلقوه بمفتاح.
لو نوح هناك، لازم نروح فورًا.
أمسك سامح ذراعه:
استنى.
مفيش وقت!
بالضبط، وده اللي هم عايزينه.. الشخص اللي خطط لكل ده عايزك تتحرك بعصبية، لازم نعرف مين الطرف الثالث في العقد الأول.
بص محمود للورقة، كان اسم الطرف الثالث مغطى بطبقة من الحبر القديم.
نققدر نعرفه إزاي؟
فيه نسخة تانية في القبو.
والد مريم كان عارف إن يومًا ما حد هيدور على الورقة دي.
خرجوا من المكتب بسرعة، وطوال الطريق كان محمود ساكت ومريم ماسكة صورة نوح وتبص لها كل دقيقة.
هجيبه.
لازم نجيبه سوا.
سوا؟
ابني مش هرَجع لو كل واحد فينا فضل شايل اللوم لوحده.
سكت محمود لحظة وقال:
عندك حق.
وصلوا للبيت القديم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




