قلب كبير

قبل ما ابني اللي عنده 19 سنة يموت، اتبرع بقلبه لبنت عندها 18 سنة… وبعد عملية الزرع، أم البنت مدتلي جواب كان ابني كاتبهولي قبل وفاته.
أول سطر فيه كان: — ماما… في حاجة لازم تعرفيها عن البنت دي.
جوزي كان مات من سنين، ومن وقتها وأنا ربيت ابني لوحدي. كان هو كل اللي فاضلي في الدنيا. قبلها بسنة، كان ابني شاب سليم وطبيعي جدًا، مفيهوش أي حاجة. لحد ما في يوم، حس فجأة بدوخة شديدة ووقع على الأرض.
لفينا على دكاترة كتير، وعملنا تحاليل وفحوصات أسابيع طويلة، لحد ما في الآخر دكتور قعد قدامي وقال لي إن ابني عنده مرض عصبي نادر بيتطور مع الوقت.
والأسوأ… إن مفيش علاج معروف يقدر يشفيه.
رفضت أصدق. قلت لنفسي مستحيل أقف أتفرج على ابني وهو بيضيع مني. بعت عربيتي. وبعت الدهب اللي كنت محتفظة بيه من سنين. وصرفت تقريبًا كل اللي معايا على دكاترة متخصصين وعلاجات وأي حاجة كان فيها حتى أمل صغير إنه يتحسن. لكن للأسف… مفيش حاجة نفعت.
وابني كان بيضعف يوم بعد يوم قدام عيني.
ماكنتش قادرة أستوعب إزاي ممكن أخسره هو كمان… أنا بالفعل دفنت جوزي قبل كده… ودلوقتي بيقولولي إني ممكن أدفن ابني الوحيد، وأرجع البيت بعدها مالاقيش فيه حد مستنيني. طول عمري كنت بتخيله وهو بيكبر قدامي.
كنت مستنية أشوفه وهو بيحب… ويتجوز… ويبني بيته وحياته. لكن كل الأحلام دي بدأت تختفي واحدة ورا التانية. وفي ليلة، وأنا قاعدة جنبه في المستشفى، مد إيده الضعيفة ومسك إيدي. وقال: — ماما… أنا عايز أعمل حاجة مفيدة قبل ما أمشي. لو ينفع، أنا عايز أتبرع بقلبي لحد محتاجه. بصيتله وأنا مش مستوعبة اللي بسمعه.
قلت: — إنت بتقول إيه يا حبيبي؟
بصلي بهدوء وقال: — أرجوكي يا ماما… لو فعلًا خلاص هسيب الدنيا، خلي دي آخر أمنية ليا. أنا اتكلمت مع الدكتور بالفعل، وقال لي إن الموضوع ممكن يتم لو الظروف الطبية سمحت.
عيطت وقتها زي ما عمري ما عيطت. مجرد فكرة إن ابني بيتكلم عن اللي هيحصل بعد موته كانت بتقطعني من جوايا.
لكن في النهاية… وافقت أحترم أمنيته.
وبعد وفاة ابني، تم التبرع بقلبه لبنت عندها 18 سنة.
وفي جنازته، وأنا واقفة وسط الناس ومش حاسة بأي حاجة حواليا، قربت مني ست عمري ما شوفتها قبل كده. وقفت قدامي للحظات، وعينيها مليانة دموع. وبعدين قالت: — بنتي هي اللي استقبلت قلب ابنك.
حسيت رجلي مش شايلاني. فضلت باصة لها من غير ما أعرف أقول إيه. لكنها مدت إيدها ناحيتي بظرف مقفول.
وقالت: — ابنك طلب مني أديكي الجواب ده.
أخدت الظرف منها وإيدي كانت بترتعش. أول ما بصيت على الكتابة اللي عليه… عرفتها فورًا.
كان خط ابني. فتحت الظرف بصعوبة، وطلعت الورقة.
وأول سطر قرأته كان: «ماما… في حاجة لازم تعرفيها عن البنت دي.»
الفصل الأول: السر اللي في الجواب
فضلت ماسكة الورقة بين إيديا، ومش قادرة أكمل بعد أول سطر:
“ماما… في حاجة لازم تعرفيها عن البنت دي.”
رفعت عيني بسرعة ناحية الست اللي كانت واقفة قدامي.
كانت لسه بتعيط، لكن الغريب إن نظرتها ماكانتش نظرة أم جاية تشكرني وبس.
كان فيها خوف.
خوف واضح خلاني أسألها:
— إنتِ تعرفي ابني من قبل العملية؟
سكتت.
بصت للأرض، وبعدين قالت بصوت واطي:
— كمّلي الجواب الأول… وبعدها هقولك كل حاجة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
رجعت بصيت للورقة، وكملت قراءة خط ابني:
“ماما… عارف إن أول سؤال جه في بالك دلوقتي: أنا أعرف البنت دي منين؟
والإجابة إن الموضوع ماكانش صدفة زي ما إنتِ فاكرة.
أنا كنت أعرفها قبل ما أدخل المستشفى بوقت طويل.
اسمها مريم.
وأنا عمري ما حكيتلك عنها.”
وقفت عن القراءة.
مريم؟
بصيت للست وسألتها:
— بنتك اسمها مريم؟
هزت راسها.
حطيت إيدي على صدري.
ابني كان بيحكيلي تقريبًا كل حاجة.
أصحابه.
دراسته.
مشاكله.
حتى الحاجات الصغيرة اللي كانت بتحصل معاه كان بيرجع يحكيهالي.
إزاي يكون فيه بنت في حياته وأنا معرفش؟
رجعت للجواب.
“قبل ما أمرض بشهور، كنت خارج من الجامعة، وشفت بنت واقفة جنب بوابة المستشفى اللي قريبة من الكلية.
كانت بتعيط.
عديت من جنبها في الأول، لكن رجعت.
سألتها لو محتاجة مساعدة.
قالتلي إن مامتها جوه بتعمل فحوصات، وإنها هي كمان عندها مشكلة في القلب من وهي صغيرة، والدكاترة قالولها إن حالتها بدأت تسوء.
فضلنا نتكلم حوالي نص ساعة.
وبعد اليوم ده، قابلتها تاني.
وبعدين مرة تالتة.
وبقينا أصحاب.”
دموعي نزلت على الورقة.
افتكرت أيام كتير كان ابني بيرجع فيها البيت متأخر شوية ويقول لي:
— كنت مع أصحابي يا ماما.
عمري ما شكيت فيه.
ولا عمري سألته أكتر.
كملت.
“مريم ماكانتش عارفة إني بدأت أحس بأعراض غريبة.
وأنا كمان ماكنتش عارف إن مرضها هيزيد بالسرعة دي.
لما عرفت أنا عندي إيه، قررت أبعد عنها.
مش لأني مش عايزها.
لكن لأني كنت خايف تتعلق بواحد الدكاترة بيقولوا له إن مستقبله مش مضمون.
عملت حاجة يمكن تزعلك مني.
قلت لها إني مش عايز أشوفها تاني.
وخليتها تفتكر إني نسيتها.”
وقفت تاني.
المرة دي مقدرتش أتماسك.
قعدت على أقرب كرسي.
قلت وأنا ببكي:
— ابني كان بيحب بنتك؟
الست مسحت دموعها.
وقالت:
— أكتر مما تتخيلي.
بصيتلها بصدمة.
قربت مني وقعدت جنبي.




