قصص و روايات

قلب كبير

— أنا مش عارفة هقدر أسامحك يومًا ولا لأ.

هز راسه.

— فاهم.

— ومش عايزاك تعتبر رجوعك معناه إن حياتنا القديمة رجعت.

— فاهم.

بصيت لنور.

— لكن البنت ملهاش ذنب.

ولأول مرة، ظهر على وشه شيء يشبه الراحة.

قلت:

— علاجها ومتابعتها لازم يكملوا.

نور قربت مني فجأة وحضنتني.

اتوترت في الأول.

وبعدين حضنتها.

مش لأنها بنت جوزي.

لكن لأنها بنت ابني، في آخر أيامه، اختار يعتبرها أخته.

الفصل الخامس: دقات قلبه
عدت أسابيع.

ومريم خرجت من المستشفى.

كنت أزورها من وقت للتاني.

في البداية، علاقتنا كانت صعبة.

كل مرة أشوفها كنت أبص ناحية صدرها من غير ما أحس.

وهي كانت تلاحظ.

وفي يوم قالتلي:

— ممكن أطلب منك طلب؟

— طبعًا.

— حطي إيدك.

اتوترت.

— فين؟

أشارت لصدرها.

فهمت.

قربت إيدي بتردد.

وحطيتها فوق المكان اللي أشارت له.

وشعرت بالدقات.

دقة.

ودقة.

ودقة.

رجلي ضعفت.

مريم مسكت إيدي.

قالت:

— هو مش موجود هنا بالطريقة اللي إحنا نفسنا فيها… بس اللي عمله اداني فرصة أعيش.

عيطت.

قلت:

— كان نفسه يشوفك كويسة.

قالت:

— وأنا هحاول أكون كويسة.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— بس مش علشان أسددله دين. هو نفسه كتبلي إني ماعملش كده.

ابتسمت وسط دموعي.

— أهو لسه بيجادلنا حتى وهو مش موجود.

ضحكت مريم.

ولأول مرة، ضحكت أنا كمان لما اتكلمنا عن يوسف.

من غير ما الضحكة تتحول فورًا لبكاء.

أما والد يوسف، فلم يرجع يعيش معايا.

وده كان قراري.

قابلته أكتر من مرة علشان أفهم باقي اللي حصل.

لكني قلتله بوضوح:

— أنا ممكن في يوم أسامحك علشان أعرف أكمل حياتي. لكن المسامحة مش معناها إننا نرجع زوج وزوجة.

تقبل كلامي.

وبدأ يهتم بنور ويتابع علاجها.

والحمد لله، الفحوصات بينت إن حالتها مختلفة عن مرض يوسف، ويمكن التعامل معاها طبيًا.

أما يوسف…

فكان ترك لنا مفاجأة أخيرة.

الفصل السادس: آخر رسالة
بعد حوالي شهرين، كنت برتب أوضة يوسف.

كنت مأجلة اليوم ده من ساعة وفاته.

كل قميص كنت ألمسه كنت أشمه.

كل كتاب أفتحه كنت أتوقع ألاقي خطه.

لحد ما لقيت دفتر صغير بين كتبه.

في آخر صفحة كان مكتوب:

“لو ماما وصلت للصفحة دي، يبقى غالبًا فتشت الأوضة كلها أخيرًا.”

ضحكت وأنا بعيط.

حتى دي كان متوقعها.

كملت:

“ماما…

أنا عارف إنك هتفضلي فترة تسألي نفسك: ليه أنا؟
ليه خسرت جوزي؟

وليه خسرت ابني؟

بس أوعي تخلي حياتك تتحول لقائمة بالحاجات اللي راحت منك.

إنتِ علمتيني إن الإنسان قيمته مش في عدد السنين اللي عاشها، لكن في الأثر اللي سابه.

أنا كان نفسي أعيش أكتر.

كان نفسي أتجوز.

كان نفسي أخلف.

وكان نفسي أفضل أرخم عليكي وإنتِ كبيرة وأقولك إني لسه مشغول ومش هقدر أجيلك النهارده.”

ضحكت وسط دموعي.

كملت.

“بس مش كل حاجة إحنا عايزينها بتحصل.

اللي نقدر نختاره هو نعمل إيه بالوقت اللي اتدالنا.

أنا اخترت إن آخر حاجة أسيبها ورايا تكون فرصة حياة لإنسانة كنت بحبها.

لكن مريم مش بديل ليا.

أوعي تعملي فيها كده.

هي مريم.

وأنا يوسف.

حبيها لو قلبك حبها، مش لأن قلبي جواها.”

قفلت عيني.

الجملة دي غيرت حاجة جوايا.

لأني من أول يوم كنت ببص لمريم وأدور على ابني.

لكن ابني نفسه كان بيطلب مني أبطل.

كملت آخر سطور:

“وبالنسبة لبابا… القرار قرارك.

أنا قابلته.

سمعته.

زعلت منه.

وبعدين فهمت إن الإنسان ممكن يكون غلطان وخايف وندمان في نفس الوقت.

الفهم مش معناه التبرير.

والمسامحة مش معناها إننا نمسح اللي حصل.

اعملي اللي يخليكي تقدري تعيشي بسلام.

وأخيرًا…

ماما، عيشي.

ما تدفنيش نفسك معايا.

أنا كنت ابنك 19 سنة.

ودي كانت أحلى حاجة حصلتلي.

بحبك.”

فضلت ماسكة الدفتر وقت طويل.

وبعدين لأول مرة من يوم وفاته…

دخلت أوضتي ونمت ليلة كاملة.

الفصل الأخير: بعد سنة
عدت سنة.

في ذكرى وفاة يوسف، صحيت بدري.

لبست وخرجت.

لكن المرة دي ما روحتش المقابر الأول.

روحت مكان تاني.

قاعة صغيرة كان فيها حفل تخرج.

وسط الناس، شفت مريم.

كانت واقفة على رجليها.

صحتها اتحسنت.

وشها رجع له لونه.

ولما شافتني، جريت عليا على قد ما حالتها تسمح.

حضنتني.

قالت:

— كنت خايفة ماتجيش.

قلت:

— أفوّت اليوم ده؟ مستحيل.

نور كانت معايا.

بقت علاقتها بمريم قوية جدًا.

أما والد يوسف، فكان موجود في آخر القاعة.

علاقتنا بقت قائمة على الاحترام والمسافة.

لا رجعنا زوجين.

ولا بقيت أعيش وأنا شايلة غضبي كل يوم.

كل واحد فينا بدأ يتحمل نتيجة اختياراته ويكمل حياته.

بعد الحفل، مريم قالت:

— نروح له؟

عرفت تقصد مين.

رحنا إحنا التلاتة للمقابر.

وقفت قدام قبر يوسف.

حطيت ورد.

نور قالت:

— أنا نجحت السنة دي يا يوسف.
مريم ضحكت وهي بتعيط.

— وأنا اتخرجت.

بصوا ليا.

قلت:

— وأنا؟

سكت شوية.

وبعدين ابتسمت.

— أنا بدأت أعيش يا حبيبي… زي ما طلبت.

هبت نسمة خفيفة.

وطبعًا ما اعتبرتهاش علامة ولا رسالة.

كانت مجرد نسمة.

لكنها كانت كفاية تخليني آخد نفس عميق.

وإحنا خارجين من المقابر، مريم وقفتني.

قالت:

— فيه حاجة عايزاكي تسمعيها.

مسكت إيدي وحطتها على صدرها.

الدقات كانت قوية ومنتظمة.

دق… دق… دق…

زمان كنت بسمعها وأقول:

ده قلب ابني.

لكن المرة دي افتكرت كلام يوسف.

فبصيت لمريم وقلت:

— حافظي على قلبك.

ابتسمت.

لأن أخيرًا فهمت.

القلب اللي أنقذ حياتها كان يومًا قلب يوسف…

لكنه دلوقتي جزء من حياة مريم.

أما يوسف نفسه، فمكانه الحقيقي ماكانش جوه صدر شخص تاني.

كان في التسعتاشر سنة اللي عاشهم معايا.

في ضحكته.

في أوضته.

في الصور.

في أخته اللي لحق يعرفها.

وفي البنت اللي ساعدها تكمل حياتها.

وفي آخر درس سابهولي:

إن الحب الحقيقي مش إننا نمسك في اللي بنحبهم للأبد…

لكن أحيانًا إننا نسمح للأثر الجميل اللي سابوه جوانا يخلينا نكمل.

رفعت عيني للسماء وقلت في سري:

— ارتاح يا حبيبي.

وبعدين مشيت.

ولأول مرة…

ما بصتش ورايا.

تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى