قلب كبير

يوسف كتب الرسالة قبل وفاته بحوالي شهرين.
كملت:
“بابا فعلًا تعرض لحادث.
لكن الشخص اللي اتدفن واتعملت له إجراءات الوفاة ما تمش التعرف عليه بالطريقة اللي كنا فاكرينها.
كان فيه خطأ في الأوراق.
أنا عرفت ده لما لقيت خطاب قديم من محامي كان بيطلب إعادة مراجعة بعض المستندات.
بعدها بدأت أدور.
ولقيت اسم راجل كان شاهد على الحادث.
كلمته.
واللي قاله خلاني أدور أكتر.”
إيدي بردت.
قلبت الورقة.
لكن الصفحة انتهت.
قلت:
— فين الباقي؟
بدأنا نفتش الصندوق.
في القاع كان فيه ملف أزرق.
فتحته.
صور مستندات.
مكاتبات قديمة.
وأخيرًا ورقة عليها رقم تليفون واسم:
الحاج محمود — شاهد الحادث.
مسكت موبايلي.
الرقم قديم.
ومع ذلك اتصلت.
مرة.
مفيش رد.
مرة تانية.
وفي التالتة…
حد رد.
صوت راجل كبير قال:
— ألو؟
قلت:
— حضرتك تعرف واحد اسمه يوسف؟
سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
— يوسف ابن سامح؟
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
— أيوه.
صوت الراجل اتغير.
— إنتِ مين؟
— أمه.
سكت تاني.
وبعدين قال:
— البقاء لله.
دموعي نزلت.
— إنت عرفت؟
— يوسف كلمني من فترة.
قلت بسرعة:
— ابني كان بيدور على أبوه؟
قال:
— أيوه.
— ليه؟
— لأنه اكتشف إن أبوه ممكن يكون ما ماتش في الحادث.
حطيت إيدي على الحيطة.
— يعني إيه “ممكن”؟
قال:
— الحادث كان كبير. عربيتين اصطدموا، وحصل حريق. وفي وسط اللخبطة، حصل خطأ في تحديد هوية واحد من المصابين.
— وإيه علاقة جوزي؟
تنهد.
— جوزك كان موجود في الحادث… لكنه خرج منه حي.
الدنيا لفت بيا.
مريم مسكتني.
قلت:
— حضرتك بتقول إيه؟
— سامح اتنقل لمستشفى تانية باعتباره شخص مجهول الهوية. كان مصاب في الرأس وفاقد الذاكرة جزئيًا.
قلت وأنا بصرخ:
— طب إزاي اتعملتله جنازة؟!
رد:
— لأن المحفظة وبعض متعلقاته كانت في العربية، وحصل خلط في تحديد هوية شخص آخر.
كنت ببكي.
— طب لما فاق؟! ليه ما رجعش؟!
قال:
— دي بقى الحاجة اللي أنا معرفهاش كاملة.
— يعني إيه؟
— بعد فترة، سامح استعاد جزء كبير من ذاكرته.
سكت.
قلبي كان هيقف.
قلت:
— وبعدها؟
قال:
— اختفى.
— اختفى فين؟
— محدش عرف.
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحتي.
أبو ابني كان عايش.
على الأقل بعد الحادث.
وكان فاكرنا.
ومع ذلك ما رجعش.
لكن السؤال الأكبر كان:
هل لسه عايش لحد النهارده؟
تاني يوم، روحت المستشفى اللي كان يوسف بيتعالج فيها.
طلبت أقابل الدكتور اللي كان متابع حالته.
قعد قدامي وقال:
— أنا آسف جدًا على فقدان يوسف.
قلت:
— أنا مش جاية أسأل عن مرضه.
وحطيت صورة جوزي قدامه.
— الراجل ده دخل المستشفى قبل وفاة ابني؟
الدكتور بص للصورة.
ملامحه اتغيرت.
قال:
— حضرتك تعرفيه؟
— ده جوزي.
سكت.
— وكان المفروض إنه ميت من أكتر من عشر سنين.
الدكتور رجع بظهره للكرسي.
وقال:
— الراجل ده جه فعلًا.
حسيت قلبي وقع.
— قابل يوسف؟
— أيوه.
— إمتى؟
— قبل وفاته بحوالي أسبوعين.
بدأت أعيط.
— ابني شاف أبوه؟
— أيوه.
قلت:
— ليه ماقاليش؟
الدكتور قال:
— أنا ماعرفش تفاصيل اللي حصل بينهم، لكن بعد المقابلة يوسف كان في حالة نفسية صعبة جدًا.
سألته:
— الراجل قال اسمه؟
— لأ.
— طب إزاي دخل لابني؟
قال:
— يوسف بنفسه وافق يقابله.
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
— وفي حاجة أغرب.
— إيه؟
— الراجل طلب يعمل تحاليل.
— تحاليل إيه؟
— تحاليل وراثية.
حسيت بصدمة.
— ليه؟
قال:
— لأن يوسف سأله سؤال محدد جدًا عن مرضه، وبعدها طلب من والده يعمل فحوصات تخص نفس المرض.
هنا بدأت أفهم.
مرض ابني النادر.
أبوه.
اختفاؤه.
كلهم مربوطين ببعض.
رجعت البيت وجريت على الصندوق.
قلبت الأوراق من جديد.
وفي جيب صغير جوه الملف الأزرق لقيت نتيجة تحليل.
الاسم كان اسم جوزي.
والتاريخ قبل وفاة ابني بأيام.
وتحت خانة النتيجة كان واضح إن عنده طفرة جينية مرتبطة بنفس المرض العصبي اللي أصاب يوسف.
لكن كان فيه ورقة تانية بخط ابني.
“ماما…
دلوقتي عرفت ليه بابا اختفى.
هو كان عارف إن فيه مرض وراثي في عيلته.
بعد الحادث، ولما ذاكرته بدأت ترجع، ظهرت عليه أعراض بسيطة.
خاف يرجع لنا.
خاف يكون نقل المرض ليا.
لكنه بدل ما يواجه خوفه… هرب.
وعاش سنين بعيد.
أنا مش بكتب ده علشان تكرهيه.
ولا علشان تسامحيه.
ده قرارك إنتِ.
لكن لازم تعرفي إن الراجل اللي هرب من حياته طول السنين دي رجع لما عرف إني مريض.
وأنا قابلته.”
قلبت الصفحة.
وكان آخر سطر:
“بس فيه حاجة حصلت في المقابلة دي لازم تعرفيها منه هو… مش مني.
لأنه وعدني إنه بعد وفاتي هيجيلك.
ولو ماجاش… هتلاقي عنوانه في الظرف الأبيض.”
دورت بسرعة.
لقيت الظرف.
لكن قبل ما أفتحه…
جرس الباب رن.
اتجمدت.
مريم وأمها كانوا قاعدين في الصالة.
مريم قامت.
قلت بسرعة:
— استني.
مشيت ناحية الباب.
بصيت من العين السحرية.
راجل كبير واقف بره.
شعره بقى أبيض.
جسمه أضعف.
وشه اتغير.
لكن عينيه…
مستحيل أنساهم.
فتحت الباب.
فضلنا واقفين قصاد بعض.
أكتر من عشر سنين من الأسئلة كانوا واقفين بيني وبينه.
شفايفه اترعشت.
وقال:
— أنا عارف إن مفيش كلمة ممكن تصلح اللي عملته.
مقدرتش أرد.
وفجأة مريم خرجت من الصالة.
أول ما شافته، قالت:
— هو ده الراجل اللي جه المستشفى.
بص لها.
وبعدين حط إيده على وشه وبدأ يعيط.
قلتله:
— ابنك مات.




