قصص و روايات

قلب كبير

وقالت:

— وأنا كمان ماكنتش أعرف الحقيقة كلها غير متأخر.

سألتها:

— يعني إيه؟

قالت:

— مريم رجعت البيت يوم من الأيام منهارة. قالتلي إن الشاب اللي كانت بتحبه سابها فجأة، وإنه قالها إنه مش عايز يكمل معاها.

سكتت لحظة، ثم كملت:

— لكن بنتي عمرها ما صدقت إنه بطل يحبها.

رجعت للجواب بسرعة.

كان فيه كلام كتير لسه مكتوب.

“ماما… لما دخلت المستشفى آخر مرة، عرفت بالصدفة إن مريم موجودة في نفس المستشفى.

سمعت ممرضة بتتكلم عن بنت صغيرة محتاجة زراعة قلب، وسمعت اسمها.

طلبت من الدكتور أعرف حالتها.

رفض في الأول طبعًا.

لكن بعدها فهمت إن مريم فعلًا حالتها خطيرة.

ساعتها عرفت حاجة.

يمكن لأول مرة من يوم ما عرفت إني مريض، ماحسيتش إن نهايتي ملهاش معنى.”

إيدي بدأت ترتعش أكتر.

السطر اللي بعده خلاني أحط الورقة على حجري.

“ماما… أنا ما طلبتش التبرع بقلبي لأي شخص.

أنا كنت بتمنى، لو القواعد الطبية والتوافق سمحوا، إن مريم تكون هي اللي تستفيد منه.”

بصيت للست.

— هو كان عارف؟

قالت وهي بتعيط:

— أيوه.

— وإنتِ كنتِ عارفة؟

— لا… والله ما عرفت غير قبل وفاته بفترة قصيرة.

وقفت.

حسيت بحاجة غريبة جوايا.

حزن؟

غضب؟

فخر؟

مكنتش عارفة.

قلت لها:

— ليه محدش قالي؟

ردت بسرعة:

— هو اللي طلب.

رجعت أبص للورقة.

وفعلًا لقيت الإجابة بخط ابني.

“عارف إنك ممكن تزعلي لأني مخبي عليك.

بس لو كنت قلتلك إني بحبها، وإن فيه احتمال إن قلبي يروح لها بعد موتي، كنتِ هتعيشي آخر أيامي وإنتِ شايفة البنت اللي هتكمل حياتها وأنا مش موجود.

وأنا ماكنتش عايز أعمل فيكي كده.

كنت عايز آخر أيامنا تبقى لينا إحنا الاتنين.

أنا وإنتِ.

زي ما كنا طول عمرنا.”

حضنت الورقة لصدرى.

افتكرت آخر ليلة ليه.

كان تعبان جدًا.

ومع ذلك كان بيحاول يهزر معايا.

قال لي وقتها:

— لما أخرج من هنا هنعمل إيه؟

كنت عارفة إنه بيحاول يطمني.

قلتله:

— هنعمل كل حاجة نفسك فيها.

ابتسم وقال:

— طب ولو أنا خرجت بطريقة مختلفة؟

وقتها زعلت منه.

قلت:

— ماتقولش الكلام ده.

لكنه ابتسم وسكت.

دلوقتي بس فهمت قصده.

كملت آخر جزء من الصفحة.

“في طلب أخير يا ماما.

يمكن يكون أصعب طلب طلبته منك في حياتي.

بعد ما كل حاجة تخلص… روحي شوفي مريم.

مش علشان تفتكريني.

ومش علشان تحسي إن جزء مني لسه موجود.

روحي شوفيها علشان أقولك حاجة عمري ما قدرت أقولها وأنا عايش.

أنا كنت ناوي، لو حصلت معجزة وخفيت… أتجوزها.

كنت عايز أجيبها البيت وأقولك: دي البنت اللي اخترتها.

بس المعجزة ماحصلتش ليا.

يمكن حصلت لها هي.”

ماقدرتش أكمل.

قفلت الورقة.

وانهرت.

الست حضنتني.

ولأول مرة من ساعة وفاة ابني، سمحت لنفسي أعيط بصوت عالي.

مش عارفة عدّى قد إيه.

دقايق؟

نص ساعة؟

لكن بعدها الست قالت:

— فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.

رفعت راسي.

قالت:

— مريم ما تعرفش إن القلب اللي جواها كان قلب ابنك.

اتجمدت.

— إيه؟

— إحنا ماقلنالهاش.

— ليه؟

الست بصتلي طويلًا.

وبعدين قالت جملة خلتني أنسى حتى إني واقفة في جنازة ابني:

— لأن آخر مرة مريم شافت ابنك فيها… قالتله كلام قاسي جدًا، ومن يوم العملية وهي فاكرة إنه لسه عايش في مكان ما، وإنه اختار يبعد عنها.

شهقت.

— يعني بنتك فاكرة إن ابني عايش؟

هزت راسها والدموع نزلت من عينيها.

— أيوه.

سألتها:

— طب والجواب؟

قالت:

— لسه فيه صفحة تانية.

بصيت للظرف.

دخلت إيدي جواه.

وفعلًا…

كان فيه ورقة مطوية صغيرة مستخبية في آخره.

فتحتها.

لكن المرة دي ماكانتش رسالة ليا.

كان مكتوب فوقها:

“إلى مريم… تتفتح فقط لو أمي وافقت.”

رفعت عيني ناحية أمها.

وقبل ما أتكلم، قالت:

— ابنك ساب القرار ليكي.

بصيت للرسالة.

وبعدين للمقبرة اللي دُفن فيها ابني من دقائق.

وفي اللحظة دي فهمت إن الحكاية ما انتهتش بوفاته.

يمكن…

كانت لسه بتبدأ.

فضلت باصة للورقة الصغيرة اللي مكتوب عليها:

“إلى مريم… تتفتح فقط لو أمي وافقت.”

كان ممكن أفتحها.

كان ممكن أعرف ابني كتب لها إيه.

لكن حسيت إن الرسالة مش من حقي.

دي كانت آخر كلمات ابني للبنت اللي حبها من غير ما أعرف.

قفلت الظرف وحطيته في شنطتي.

بصيت لأم مريم وقلت:

— أنا عايزة أشوف بنتك.

اتوترت ملامحها.

— دلوقتي؟

— أيوه.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— هي لسه في المستشفى، وحالتها مستقرة… بس الدكاترة مانعين عنها أي انفعال شديد.

هزيت راسي.

— مش هقولها حاجة النهارده.

— أمال عايزة تشوفيها ليه؟

بصيت ناحية قبر ابني.

وقلت:

— عايزة أشوف البنت اللي ابني اختار إن قلبه يكمل جواها.

بعد ساعات، كنت واقفة قدام باب أوضة في المستشفى.

نفس المستشفى اللي خرجت منه قبل أيام وأنا فاقدة ابني.

ريحة المطهر.

صوت الأجهزة.

الممرضات اللي ماشية بسرعة في الممرات.

كل حاجة كانت بترجعني لآخر أيامه.

وقفت قدام الباب ومقدرتش أدخل.

أم مريم لاحظت ارتباكي، فقالت:

— لو مش قادرة، ممكن نستنى.

قلت بسرعة:

— لأ.

ومديت إيدي وفتحت الباب.

كانت مريم نايمة على السرير.

وشها شاحب، وشعرها مربوط لورا، وفي أجهزة وأسلاك حواليها.

لكن أول ما شفتها…

وقفت مكاني.

مش عارفة كنت متوقعة إيه.

يمكن كنت متوقعة أشوف في وشها حاجة من ابني.

نفس الابتسامة.

نفس النظرة.

أي حاجة.

لكن دي كانت بنت معرفهاش.

بنت صغيرة تعبانة، بتحاول تتنفس بهدوء.

قربت منها خطوة.

وفجأة سمعت صوت الجهاز اللي بيراقب ضربات قلبها.

بيب… بيب… بيب…

اتجمد جسمي.

بصيت ناحية الشاشة.

وبعدين ناحية صدرها.

هناك…

تحت الضمادات والجروح…

كان قلب ابني بيدق.

حطيت إيدي على بوقي علشان أمنع صوت بكائي.

لكن مريم فتحت عينيها.

بصتلي باستغراب.

وبعدين بصت لأمها.

— ماما؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى