زوجتي

لكن صوتها ما كانش صوت تعب جسماني عادي، كان صوت مليان خوف وقلق مكبوت من تحكمات قديمة. فيه خيط رفيع جداً بين التعب والخوف النفسي، ورغم صعوبة ملاحظته، إلا إني حسيت بيه بقلبي قبل أذني. ما حبيتش أضغط عليها ولا أزود قلقها في اللحظة دي، بس لما قامت بعد شوية عشان تاخد حمامها الثاني كالعادة، فضلت واقف قدام باب غرفة النوم سامع صوت المية المتساقطة بصوت منتظم، وكأنها بتحاول تغسل عن نفسها حاجة تانية خالص مش مرئية، حاجة ثقيلة ومش راضية تروح بسهولة من دماغها.
ولما طلعت من الحمام… يا الله، لما طلعت كانت ملامحها مكسورة تماماً. كانت عينيها حمراء خالص وكأنها كانت بتعيط بصمت تحت المية بعيد عني. شعرها المبلل كان لازق على رقبتها الناعمة، وشكلها كله يوحي بالإرهاق الذهني الشديد، لكنها رغم كده حاولت ترسم على شفايفها ابتسامة صغيرة باهتة، ابتسامة اعتراف بالهزيمة النفسية قبل ما المعركة تبدأ أساساً.
مشت بخطوات بطيئة ناحية السرير، بس المرة دي ما استدرتش بظهرها نحوي زي كل ليلة. قعدت على حافة السرير وأصابعها بتلعب بارتباك في أطراف المنشفة. حسيت وقتها إن قلبي بيدق جوه صدري بعنف شديد وكأن صوت دقاته مسموع في الأوضة كلها. حسيت إن فيه سر خطير هيتكشف، حاجة كانت كاتماها ومخبياها عني طوال الشهور اللي فاتت دي كلها.
قربت منها ببطء وقعدت جنبها على الحافة، وسألتها بصوت حنون وخفيض: “أماكا… إنتي كويسة بجد؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟”
لم ترفع عينيها للأعلى، واكتفت بهزة راس صغيرة جداً، وبعدين قالت بصوت مرتعش يقطع القلب: “زيد… أنا محتاجة أقولك على حاجة، بس… بس أنا خايفة أوي يرجع يلاحقني”.
مديت إيدي وحطيتها فوق إيديها الباردة. ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا ما سحبتش إيدها مني ولا خافت من لمستي الحنونة.
تنفست بعمق وصعوبة كأنها بتفتح باب مقفول بقفل حديدي ووراه عاصفة قوية من التسلط والقهر النفسي. وقالت وهي بتبص في الأرض: “أنا… أنا مش بستحم المرتين دول علشان أحس بالنضافة والريحة الحلوة زي ما انت فاكر”.
ظهرها ارتعش بخفوت لما قالت الجملة دي، وكأن مجرد سماع صوت الحقيقة بيوجع روحها من جوه.
كملت بصوت بيترعش: “أنا… أنا بستحم كده علشان أشيل أثر كلامه… أشيل طقوس السيطرة والتهديدات اللي كان دايماً يفرضها عليا… كان بيراقب كل حركة بعملها، يمنعني أخرج، يمنعني حتى أتكلم براحتي، وكل ما أحاول أستقل بحياتي، كان بيضغط عليا نفسياً ويهددني إنه يدمرني ويتحكم في كل تفصيلة في يومي لحد ما حسيت إن روحي بقت متكتفة ومسجونة!”.
إيدها كانت بترتجف بشدة جوه إيدي، وأنا كأني اخدت صدمة كهربائية في دماغي وما عرفتش أنطق بكلمة واحدة. فضلت صامت لحظات طويلة بحاول أستوعب حجم الوجع النفسي والعذاب اللي كان مختبئ ومكتوم تحت كل كلمة وكل نظرة خوف منها.
نزلت راسي وحطيت وشي بين إيدي للحظة طويلة؛ مش غضب منها والله، بالعكس، ده كان غضب وعنف جبار جوّايا ناحية الإنسان ده اللي قدر يستغل إنسانة بريئة ويفرض عليها طوق من الإرهاب النفسي والتسلط بالشكل ده.
رفعت راسي، قربت منها ورفعت ذقنها بإيدي بلطف شديد، وقلت لها بصوت حازم ودافي: “أماكا… اسمعيني كويس. الماضي ده انتهى ومش هيرجع تاني. الإنسان ده مبقاش ليه أي سلطان عليكي. الريحة الوحيدة اللي موجودة هنا هي ريحتك إنتي لوحدك، ريحة حياتك الجديدة الحرة معايا. وأنا قسماً بالله ما هسمح لأي حاجة في الدنيا، لا ماضي ولا تسلط ولا تهديد، إنه ياخد الأمان ده منك تاني أبداً”.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها ومن خمس شهور جواز، انحنت على صدري وبكت بكل صوتها. بكت وبكت وكأنها بتفرغ سنين طويلة ومريرة من القهر والسيطرة النفسية في حضني. ولما نامت في اللحظة دي، لأول مرة ما لفتش ظهرها ليا، ولأول مرة ما قامتش تدخل الحمام مرتين قبل النوم، كأن الأمان اللي لقيته عندي طمأن خوفها وجسدها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن الماضي ده لسه مخلصش تماماً، وإن الشخص المسيطر ده لسه مش ناوي يسيبها في حالها زي ما كنا متخيلين وإنه بيحاول يضغط عليها من بعيد.
مرت أسابيع بعد الليلة دي، أسابيع طويلة اتعلمت فيها خطوة بخطوة إزاي أمسك إيدها بحنان من غير ما ترتجف، وإزاي أخليها تحس بالأمان الحقيقي وتبدأ تثق فيا وفي روحها من جديد. كانت بتحسن كل يوم خطوة صغيرة، بس كانت خطوات ثابتة وحقيقية بعيدة عن أي خوف قديم.
وفي ليلة هادية واحنا قاعدين على الشرفة بنشرب الشاي مع بعض، وفجأة رن تليفونها برقم هي كانت بتخافه وبتترعب لمجرد تشوفه على الشاشة؛ رقم الشخص المسيطر اللي هربت منه وسابت حياتها عشانه عشان تتخلص من تسلطه.
نظرت إليّ بعينين مليانين بالرعب والفزع القديم، فمديت إيدي بكل ثقة وأخذت التليفون منها بلطف، وفتحت الخط وضغطت على زر الرد وقلت بصوت صارم وثابت: “أماكا مش لوحدها تاني، ومش راجعة لتحكماتك ولا تهديداتك أبداً، وانتهى كل شيء بينكم، ولو فكرت تقرب منها تاني هيكون ليا تصرف تاني معاك”.
قعد الشخص ده صامت لثواني معدودة، وبعدين قفل السكة في وشي ومرجعش اتصل تاني خالص من اليوم ده، كأن جبروته انتهى قدام إنسان بيحمي مراته بجد. ولأول مرة أشوف على وش أماكا نظرة انتصار حقيقية وفرحة نابعة من قلبها المظلوم.
ومع مرور الأيام والسنين، بدأت تترك عادة الحمام الثاني تدريجياً، كأنها بتخلع خوف قديم ومقرف عن كاهلها وكتفيها للأبد. وفي ليلة شتوية دافية، بعد ما خلصت حمامها الأول وخرجت وهي بتضحك بصوت عالي، قالت لي وهي باصة في عيني: “شايف يا زيد؟ أنا بخف أهو، وبقيت أحسن كتير وبدأت أنسى”.
ضحكت أنا كمان من قلبي، وفتحت دراعاتي الاتنين، وجات تجري نحوي بلا أي تردد، بلا خوف، وبلا أي ماضي أسود أو تسلط يطاردها.
وبعد سنة كاملة من السعادة والأمان الحقيقي، وقفت معاها قدام البحر في رحلة صغيرة قمنا بها سوا. الهوا كان بيلاعب شعرها الجميل، والموج كان بيخبط برقة تحت أقدامنا. مسكت إيدها بحب، فابتسمت وقالت لي بصوت دافي: “أنا حاسة إني اتولدت من جديد معاك اليوم وبقيت حرة بجد”.
همست في إذنها بحب: “وأنا اتولدت الحقيقة يوم ما دخلتي حياتي ونورتيها ونسيتيني أي هم”.
وقربت مني وراحت حاطة راسها على كتفي بكل راحة. حسيت في اللحظة دي إن كل اللي فات كان مجرد تمهيد عشان نوصل للحظة دي، لحظة كلها راحة وطمأنينة وبداية جديدة نظيفة ما بيخنقهاش لا خوف ولا تسلط ولا ماضي أليم.
وأدركت وقتها بقلبي وعقلي أن النهايات الحلوة بجد ما بتكونش مجرد نهاية لعذاب نفسي، دي بتكون بناء لبيت جديد دافئ، بيتبنيه قلبين نجوا سوا من عواصف الحياة بقوة الحب والاحترام والأمان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




